مفهوم الاعتراف تحت أضواء تشارلز تايلور.. وأكسل هونيث (الجزء الثاني)

مفهوم الاعتراف تحت أضواء تشارلز تايلور.. وأكسل هونيث (الجزء الثاني)
بقلم: أحمد المعطاوي

2. سياسة الاعتراف والأصالة:

يرى تايلور أن مفهوم الأصالة جديد وغريب على الثقافة الحديثة، حيث نشأ في نهاية القرن الثامن عشر، ومفاده: أن الإنسان يتمتع بحس أخلاقي وأن لديه استعداد فطري لما هو خير وشر.

ويؤكد على أهمية ارتباط الأخلاق بالذات، وبالطبيعة الداخلية للإنسان، وبالتالي، على الإنسان أن يكون وفيا لذاته، ومخلصا لأصالته التي لا يكتشفها إلا الأنا، والإنسان عندما يدرك أناه فإنه يستطيع أن يقرر الخير الخاص به.

والخير والذات مفهومان مرتبطان، يقول تايلور: “بغية أن يكون لنا هوية، نحتاج إلى توجه نحو الخير”.

والهوية الشخصية، بحسب تايلور، هي هوية الذات، والذات لا قيمة لها في ذاتها، ولابد لها من الآخر، لأن تقدير الذات يتجلى في احترام الآخر.

3. سياسة الاعتراف والاحترام :

يستخدم تايلور هذه الأفكار لبناء سياسة الاعتراف المتساوي، إذ يحدد لفهم فكرة الاعتراف المتساوي طريقتين:
الأولى، هي سياسة المساواة في الكرامة التي تهدف إلى تحقيق المساواة في الحقوق والاستحقاقات.

والثانية: هي سياسة الاختلاف حيث يتم التعرف على تفرد كل فرد أو مجموعة.
إذ إن المرء في نظر تشارلز تايلور يحتاج إلى فهم نوع التبادل الاجتماعي ليخلص إلى فكرة الاعتراف المتبادل الذي من خلاله يتحقق احترام وتقدير الأنا للآخر.

4. سياسة الاعتراف والعدالة:

جاءت العناصر السابقة المتمثلة في الهوية والأصالة والاحترام للتأكيد على دور الاعتراف في تأسيس هوية الإنسان، لكنها حملت طابعا نظريا في كهنها، أما العدالة فهي عنصر عملي يتصل مباشرة بالهوية وتعمل على تحقيق سياسة الاعتراف.

لقد استعمل تايلور الاعتراف في مجال المطالب المشروعة، أي العادلة التي تتصل بالحقوق الجماعية التي تسمح بقيامة مجتمع خير، أي بمعنى دفاع عن المطالب المشروعة للأقليات الثقافية والهويات المهمشة. وإذا كانت أولوية الليبرالية في الاحترام الصوري للقانون/العدل، فإن تايلور قدم أولوية الخير على العدالة، لأن تايلور ينتهي إلى أن العدل محدد بالخير، ولا يعني ذلك أن الخير يقدم حججا عقلية أكثر قوة، بل إن الخير في تعريفه يقدم موضوعا تنطبق عليه القواعد التي تحدد ما هو حق.

5. سياسة الاعتراف والمواطنة :

ينطلق الاتجاه الجماعاتي الذي ينتمي إليه تايلور من قاعدة مؤداها: أن كل المجتمعات الإنسانية مجتمعات متعددة الثقافات لكن بنسب مختلفة، ومن هنا، فإن سياسة التعدد الثقافي تحدد بكل أنواع التمييز، وترفض كل مواطنة من الدرجة الثانية، وهو ما يتفق مع مبدأ كونية المساواة، وهذا وجه خلافها مع مبدأ الكونية، لكن تايلور لا يرى أي تعارض بين مطلب الكونية والخصوصية، إذ يقول أن مطلب الكونية يحمل وعدا بالاعتراف بالخصوصية.

وبما أن المواطنة ترتبط بفكرة الفصل بين الفضائين الخاص والعام، يرى تايلور أن تحقيق الفرد لذاته يمر عبر الخير العام، والمواطنة تقتضي نوعا من الوطنية الجمهورية، وكرامة المواطنين فيها تعني أن يعبر المواطن علانية عن حريته. ومنه، يسعى تايلور إلى بناء نموذج عادل للمواطنة يتناسب فيه التعدد الثقافي والاختلاف.

ونخلص مما سبق إلى أن تشارلز تايلور من المنظرين البارزين بشأن سياسة الاعتراف، فهو يرى إلى أن الهوية تتبلور في جزء منها من خلال الاعتراف وفي حالة تغييبه، تعاني المجموعة الثقافية شعور الظلم والقمع. وأن اعتراف حاجة إنسانية حقيقية، والاعتراف الناقص لا يقل سوءا عن عدم الاعتراف.

وأخيرا، إن سياسة الاعتراف جاءت نتيجة تحولين في المجتمع الغربي؛ أولهما، الانتقال من مفهوم الشرف إلى الكرامة؛ وثانيهما، تطور مفهوم الهوية في المجتمعات الحديثة. وتعبر سياسة الاعتراف في أحد أهم وجوههاعن العدالة الاجتماعية المتمثلة في عملية الاعتراف بالمختلف، ومحاولة دمجه في المجتمع والدولة.

ومن هنا ، فهي تعتبر نموذجا من نماذج الاندماج الاجتماعي وإحقاقا لحقوق الأقليات الثقافية. ولا يستجيب هذا النموذج فقط إلى التركيبة الاجتماعية المتعددة وإلى عوامل الهجرة، ولكن إلى المعايير الجديدة للعدل وخاصة تلك المعلقة بالاحترام، ولقد حققت كندا بهذه السياسة قدرا عاليا من الديموقراطية، والعدالة والاستقرار.

يتبع…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *