لغتنا العربية و متطلبات هذا العصر

لغتنا العربية و متطلبات هذا العصر

مصطفى طه جبان.

أسس القران الكريم، علوما إسلامية كانت في الأصل غير موجودة، كعلم التفسير، و علم الفقه، ثم تفرعت إلى شعب لا تعد، كعلم الكلام، و علم النحو، و البيان، و البديع، و علم العروض، و في كل علم من هذه العلوم، مصطلحات كثيرة، لا تحصى، كالطهارة، و الصوم، و الزكاة، و الصلاة، و الوضوء، و التيمم…الخ.

أما في علم النحو، و علوم البلاغة، فإنها جاءت بمصطلحات كثيرة، آثرت اللغة العربية على شاكلة، المبتدأ، و الخبر، و الحال، و التميز، و البدل، و الأفعال الناسخة، و حروف الجر، و الجزم، و النصب، و الكفاية، و المجاز، و الطباق، و الجناس على اختلاف فروعه، إلى غير ذلك من المصطلحات النحوية البلاغية.

و في علم العروض، فقد جدت مصطلحات كثيرة، كالطويل، و البسيط، و الكامل، و الوافر، و الخفيف، و ما شئت من مصطلحات في علم الكلام، و الفلسفة، فان هذه المفردات، كانت معروفة، قبل أن تنشا هذه العلوم، لكن مدلولاتها، اختلفت عن المعاني التي نقلتها إليها العلوم.

و ليس من شك، في أن هذه المصطلحات، كانت عنصرا من عناصر نمو اللغة العربية، و نلاحظ أن المحافظين، الذين كانوا لا يجيزون استعمال أي مدلول، إلا إذا كانت واردة عن الشعراء الجاهليين، لم يقفوا أمام انتشار المصطلحات، التي جاءت في شتى العلوم، ذلك لأنهم أدركوا، بان كل علم لابد و ا ن يأتي، بمصطلحات جديدة، فليس من الممكن أن يعترض عليها احد، بحجة أنها غير معروفة عند العرب قبل الإسلام، و إنما كانوا، يعترضون على ما يأتي به الشعراء الأمويون، و العباسيون، لكن كثيرا من الشعراء، مضوا يجددون، في معاني تثير من الألفاظ، غير مبالين باعتراض المعترضين، فثبت في نفوس الناس، حتى اخذوا يستعملونها كما يستعملون غبرها من المفردات، و الإنصاف، يفرض علينا أن ننوه، بان العلماء، الذين كانوا يتشددون في قبول المفردات التي تأتي في شعر الشعراء الأمويين، معذورون إلى حد كبير، فقد شاعت اللكنة الأعجمية بين الناس بصورة مخيفة، حتى أن بعضهم، كان يتكلم دون أن يفهم احد عنه شيئا، إلا من اعتاد سماع مثل ذلك الأسلوب في الكلام، ما افسد كثيرا من المفردات العربية.

اللغة العربية، قطعت شوطا واسعا، بإضافتها مصطلحات، في مختلف العلوم، بلغت أكثر من مئة ألف على وجه التقريب، و لكن يلاحظ، أن بعض المفردات الأجنبية، تترجم بألفاظ مختلفة، مما دفع المخلصين، الذين يدركون ما تعنيه التسميات المختلفة لمصطلح واحد، من تفرقة للتعبير العربي، لذلك نجدهم يلحون في دعوتهم، إلى توحيد المصطلحات العلمية، و غير العلمية، لكي لا نتفرق في تعبيرنا، و ليفهم بعضنا بعضا، حينما يجتمع كل فريق، لغرض من الإغراض.

أما كيفية اغناء لغتنا بالمصطلحات، فان علماؤنا قد وضعوا لذلك، قواعد منها الاشتقاق، و التركيب… و لهم في ذلك أحاديث مفصلة، لا يتسع لها هذا المجال، و يكفي أن نعرف، أنها بدأت منذ أيام، الخليل بن احمد، و سيبويه، و ابن فارس، و ابن جنى و غيرهم من العلماء الكبار، و مازال العلماء، و المتخصصون في اللغة العربية، يبحثون في ذلك، حتى هذه الأيام، و قد ظفرت اللغة العربية من هذه البحوث المتصلة بفوائد جليلة، لا تحصى، إذ أن علماءنا الأجلاء، لا يبدون رأيا، أو يقدمون اقتراحا، إلا بعد، أن يبذلوا كل ما في وسعهم، من طاقة في البحث، و التمحيص، لتكون مقترحاتهم، و آراؤهم، رافدا من روافد اغناء اللغة العربية، و إثرائها، و لا سيما، علماؤنا المعاصرون، الذين يجيدون، لغة أجنبية أو أكثر، فإنهم يتعمقون في كيفية اتساع اللغات الأجنبية، و فيما يتخذه العلماء، من وسائل لترقية لغتهم، و إنمائها.

فنحن نعلم جميعا، أن مشاركة تلك الأمم، في صنع الحضارة، أقوى بكثير من مشاركتنا، مما يجعل حاجتهم إلى وضع المصطلحات الجديدة، اشد من حاجتنا، و أن تمسكهم، بلغتهم، لا يقل عن تمسكنا بلغتنا، و هذا كله يجعل، النظر في الوسائل التي يتخذونها، لتنمية لغاتهم، يفيدنا في تنمية لغتنا، و لا يعني هذا، أني ادعوا، إلى إتباعهم بصورة كاملة، و إنما الذي اعنيه، بان ننتفع بما يمكن الانتفاع به منها.

و كل ما أريد قوله هنا، هو أن ننظر إلى هذه البحوث، نظرة جدية، و لا سيما، تلك التي تدعو، إلى توحيد المصطلحات العربية، و تتخذ الوسائل، و نسلك كل السبل، في تعميمها، و نشرها، لتكون شائعة بين الناس.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *