في اللقاء الثامن

في اللقاء الثامن

(10)

بالبيضاء المدينة الكبيرة مكانا ومكانة بعين السبع، بالضبط، وأنا أسير حزينا، غايتي الهروب من هذا الهجوم الذي هاجمني بلا سابق إنذار وبلا سبب، موليا وجهي شطر البحر، يحضرني حنان نرجس وطيفها، وضوء عيونها،

فأفكر في لقاءاتنا السبع التي مرت علينا لحد الآن، وكيف كوّن كياني حولها سيرة فواحة كبستان ورد، كقصيدة حب..

حدث أورهان باموق في روايته القلعة البيضاء عن الكبير بروست الذي قال: “ماذا تعني بداية العشق غير أن تجذب إمرأة ما اهتمامنا، والاندماج في عناصر حياة جذابة إلى المجهول والمجهولية، والاعتقاد بأننا لن نستطيع دخول الحياة بغير حبها..”

(11)

– ضحكتك عااااالم، يقول أحدهم لآخر على الجانب الآخر من الرصيف المقابل

فتذكرت ضحكة نرجس، فضحكتُ، إنّهم يقولون إن الضحك يشفي الفكر..

وأنا أفكر فيها أتذكرها.. يا لها من غرابة باتت تسكن عقلي.. كيف صارت تحتلني ضحكتها مع اللقاءات كلما طاف بي طائف من حزن أو هم وايم الله – أيما احتلال، احتلال يفوق المحال.. يا نبيه عظم الله، فضحكة حبيبتي كأنغام ككتاب شعر فيه ما فيه     

(12)

وأنا أجلس على الصخر، الذي وضع مؤخرا ليحد من اندفاع الموج، جلست أتابع ثبج الموج الأزرق وأتأمل كم هو عظيم هذا البحر.. وكم هو معلم إذا ما أصاغ الإنسان السمع، وراقب اللوحة أمامه بالقلب قبل العين، وهو ينطح الصخر بدأب دون كلل، لا يهمه مرّ الوقت بقدر ما يهمه الدفاع بعناد السندباد عن وجوده أمام هذا الصخر الجديد

العتيد الذي وضع أمامه ، وأنا أتابع سفري السعيد هذا بفرح طفل، قلت:

كم يرمى بهذا البحر من حجر (تخيل معي يا صديقي هذا السطر، هذا الحجر هو كل ما يقال في حقك من أذى)

فيبتلعه بلا ألم.. ويفتح فاه مرارا ليلتقم حجر آخر ربما أكبر، وكأنه يقول كجهنم في اليوم الآخر.. (هل من مزيد)

فأنا البحر.. هذا البحر، هذا المعلم الأكبر.. ومن أراد فليذهب إلى البحر، لا ليشرب منه من الغيظ، بل ليتعلم ويتعلم

كيف يتخلص من الغيظ أيضا، فأول الأمر وآخره إرادة ، وماذا بعد الإرادة؟  

أنا الذي زرت ذات يوم البحر أقول: الإرادة، وأنت..؟

علمتني ضحكة نرجس الابتسام في وجه الحزن، وعلمني البحر الابتسام في وجه الخطر، وعلماني معا شعار:

“ليكن ما يكون..”

(13)

قال الراوي ابتسمت متفكرا في أمر إدريس كيف هذا الرجل، كيف هو أمره عجيب، كيف يفلسف الأمور، ويجعل من لاشيء شيئا يسرده في يسر ولين، كيف يخرج من بين ثقافة ومشاهدة الأفلام لبن الحكي السائغ للسماع ببراعة حكاء، إنه كطائر العقعق يلم حبات الزجاج المكسور ليصنع منها ما يصنع، يلم هو التفاصيل الصغيرة ليصنع منها شعارا أو فلسفة أو حكاية ليرويها ببراعة حكاء عظيم..

ثم يتابع ليقول إدريس صديقنا الأنيس:

وفي لقاءنا الثامن، الثامن بالذات، في الدقيقة التسعين منه كما يقول أهل كرة القدم، وببرهة قبل مغادرتها إياي، رأيتها وقد نظرت في عيني بحدة نظرة نسر وكأنها ثاقت إلى التهامي .. إني بعشقي إياها بت لقمة سائغة لها، لقمة هنية

كان بيانو نظراتها يعزف ألحان أغنية تقول:

يا محبوبي، صاحت، لا تتعجل بالذهاب

سيتمزق قلبي؛ ابق لبرهة صغيرة أخرى

فردت بصمت عليها شفاهي بباقي اللحن:

أسفي لأنني لا أستطيع أن أفترق عنك

رفعت المرساة ،رفعت المرساة ،

وداعا ! وداعا ! أذكرني

(14)

كانت تنظر.. وكانت شفتاها ترتعش برقة، رقتها باندهاش تأملتها ، تأملتها بمزاج بروعة سماء بصيف

غادرت وبقيت.. وذكرى العيون وارتعاشة الشفاه ترفرفان بسمائي زمانا

حتى هتف بي هاتف أبشر فسموات قلبها وكيانها فتحت لك أبوابها ، فادخلوها آمنين

قلت: الآن، أعمدها حبيبتي أكثر.. إني أحب وكلي بهجة، وبالإرادة نصمد للحب

لكن ما ظل يؤرقني، لماذا في اللقاء الثامن وليس التاسع ،جاء هذا الشبه اعتراف بالعشق المتبادل، ربما الرقم 9 لأنه رقم بلوغ الكمال. وبالتالي كانت لن تكون هذه الصبية من نصيبي كحبيبة، هذا بالطبع إذا صحت أعداد التنجيم.

قلت: لا تهتم مجرد تخمين وشطح

يتبع..

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.