سؤال فن العيش الفعال.. – العيش عن طريق الحب –

سؤال فن العيش الفعال.. – العيش عن طريق الحب –
بقلم : أحمد المعطاوي

لئن كان الوجه الأول للفكر الصيني مغرقا في صوفيته ومغال في سلبيته والذي مثله المفكر لاوتسو، فإن الوجه الثاني لهذا الفكر رفض التنسك والزهادة وكان متوازنا ومعتدلا في منهجه في طريقة نظره إلى الأشياء عموما.

وفي نظره في طريقة العيش الأفضل خصوصا، كان يقول رائد هذا المذهب:
” لقد قضيت يوما كاملا بدون طعام، والليل بطوله بدون نوم لكي أتأمل ولكن بدون جدوى.. من الأفضل التعلم”.

وكان هذا المفكر لا يمل من القراءة والتعلم والبحث والوصول إلى المعرفة، كان يقول: ” أنا لا أسير برفقة ثلاثة أشخاص إلا إذا اكتشفت أني أستطيع أن أتعلم شيئا من أحدهم”.

هذا المفكر الذي ولد في سنة 551 ق.م تقريبا في ظروف اجتماعية متواضعة وعاصر زعيم الزهد لاوتسو، ويقال أنه عاصر من الجانب الآخر من العالم، المعلم الأول أرسطو اسمه الحقيقي “كونج فو تسي” ويترجمه الغربيون إلى كونفوشيوس، كونفوشيوس الذي يعتبره الصينيون كنبي أو رسول وتبقى أفكاره وتعاليمه هي أساس عقيدتهم التي ظلوا يدينون بها على مدى خمسة وعشرين قرنا، ولم يقابلها سوى البوذية التي نشأت وانتشرت في الهند، ثم انتقلت إلى الصين..

بأسلوبه، الذي هو عبارة عن حكم وأمثال تتناول موضوعات مختلفة، ولا يربطها خيط منطقي موحد، والذي قبل أرسطو، استخدم القياس المتتابع، وكمثال على ذلك:
“إذا فهم الإنسان طبيعة الصفات الأخلاقية فإنه سيفهم كيف ينظم سلوكه الفردي والأخلاقي- وإذا فهم كيف ينظم سلوكه الفردي والأخلاقي فإنه سيفهم كيف يحكم الناس- وإذا فهم كيف يحكم الناس فإنه سيفهم كيف يحكم الأمم والإمبراطوريات”.

اهتم كونفوشيوس بالأخلاق الإنسانية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، ودعا إلى أن نظام العيش الصحيح والمتكامل، إنما يقوم على تزويد الفرد بالأخلاق الكريمة من خلال التربية والمعرفة داخل المجتمع، ولكنه لا يذهب مذهب سقراط في قصر الفضيلة على المعرفة فليست المعرفة، بحسبه، هي الفضيلة لكنها طريق إلى الفضيلة.

إنه يرى أن” من يعلم الحق دون من يولع بطلبه، ومن يولع بطلبه دون من يطمئن إليه دائما”.

والدرجات عنده ثلاث:

أولا، معرفة مجردة للحق.

ثانيا، شوق إلى الحق ومحبته.

ثالثا، التزام عملي بالحق وسكن القلب له وارتياح نفسي إليه.

وهو يرى أن الأخلاق إذا وصلت في المجتمع إلى مستواها المنشود أغنت عن القوانين والتشريعات والقضاء
يقول:
“إنك إذا قدت الناس وفق قوانين إجبارية، وهددتهم بالعقاب فقد يحاولون اتقاء العقاب، ولكن لن يكن لديهم شعور بالشرف. ولكنك إذا قدتهم بالفضيلة، ونظمت شؤونهم بالتربية فإن علاقاتهم ستقوم على أساس الشرف والاحترام”
والحكيم في فن العيش عنده: هو من يعمل على إحياء الفضيلة الكامنة فيه بتنمية النفس الخيرة، وتصفية ينابيعها من اللذات المقلقة والشهوات غير المرضية، فالنفس كما يمثل لذلك كصفحة الماء الصافية المستوية، واللذات كالأحجار تقذف فيها فتحدث بها اضطرابا.

والفضيلة في أسلوب العيش المطلوب ليس تطلب فقط لأنها تحقق للإنسان النفع والربح أو لأنها تدفع عنه الأذى والضرر، بل وأيضا تحقق الكمال الإنساني ولأنها تكون كالمنهاج لطلب العيش الذي يتم به التآلف والانسجام بين الإنسان والعالم، يقول: ” الرجل الكامل الخلق يطلب الفضيلة والرجل الناقص الخلق يطلب اللذة”.

فالمرء الذي يريد أن يحيا حياة رغدة يطلب الكمال ويطلب هذا الكمال في الفضيلة، يقول: ” وذو الفضيلة يستبشر بالماء الجاري، وذو الفضيلة يستبشر بالجبل الراسي، وذو الفضيلة نشيط ورزين ومعمر”.

وتحقق الفضيلة بمخالطة الناس قصد اصلاحهم لإصلاح حيواتهم، وإصلاح عيش الفرد مرتبط بإصلاح الناس، وهنا يكمن الفارق الجوهري بينه وبين معاصره المفكر لاوتسو الذي كان يرى أن إصلاح عيش المجتمع لا يكون بالدعوة إلى العمل والنشاط بل يكمن في الاعتزال والزهد.

ولتماسك المجتمع في ظل الأخلاق، ونيل مطلبه في عيش حياة أفضل، يرى كونفوشيوس أن الفرد إذا ما تعلم وتربى أخلاقيا، فإنه ينقل ذلك إلى أسرته، والأسرة إلى المجتمع، والمجتمع إلى الإنسانية كلها وقد حدد لذلك عشرة فضائل كأساس لبناء العلاقات بين الأفراد:

1. عطف الوالد على أولاده

2. احترام الابن لأبيه

3. معاملة الأخ الأكبر لأخيه الأصغر باللين

4. خضوع الأخ الأصغر للأكبر، مع احترامه له

5. تحلي الزوج بحسن الخلق

6. طاعة الزوجة لزوجها

7. حسن معاملة الكبار للصغار

8. طاعة الصغار للكبار

9. حسن معاملة الحاكم لرعاياه، وعطفه عليهم

10. إخلاص الوزراء والولاة في أداء مهامهم

ويخلص كونفوشيوس متوجها إلى الفرد بصفته ذاتا تعيش بين ذوات وتحقق نفسها بين هذه الذوات فيقول:
“آمن بالحق وأحب العلم واتبع الفطرة ولا تقم في مملكة سادتها الفوضى، وأطلب المنصب إذا كانت البلاد محكومة بسياسة رشيدة…. ولا تهتم بجهل الناس قدرك، بل اهتم بالفضل الذي تريد أن يعرفوك به..”

وبداية العيش الجيد ونهايته عند الحكيم كونفوشيوس يكمن في الأخلاق أولا وآخرا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.