جمالية الفراغ ..

جمالية الفراغ ..

 

أحمد المعطاوي ( شعر وأدب) 

أين قرأت ….. 

" الأمور المنسية لا تموت لكن ..

تعمل عملها في الخفاء ،

و تحاول أن تظهر سافرة عارية لكن .. 

وجود ضمير الفرد يمنعها 

لذلك لا تظهر  إلا مقنعة أو كرمز .."

الحق يقال لا أذكر .. 

فهل هذه الجملة الجميلة و الحكمة البالغة الفتنة و الشاهقة المعنى.

تظهر بطريقة ما ،في يوم ما ،في شهر ما ،في سنة ما  فتهدأ الجراح و تنام، على حد غناء العندليب الراحل عبد الحليم : "في يوم.. في شهر.. في سنة.. تهدأ الجراح و تنام .."

أقول الجراح ، و على رف ما، أعلق الأفراح.

 لأن ذاكرة جراحاتي في زمن الجراح هذا ، طويلة حتى الينابيع ، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، فجر الحرية .. فإشراق نهارها بدل ذل ليلها الأشبه بليل الملك الضليل امرؤ القيس الذي أرخى سدوله كما سبق و وصف.. و حتى سكن الحمى، حمانا الذي بلا سور يا حسرتاه، و طاب له المقام.

ذات يوم ، كانت حياتي مجرد دائرة ملآى فراغ ، حلقة من فراغ ، و نسيت ذلك الأمر أي أني عشت في فراغ،  ألتفت ذات اليمين و ذات الشمال و ليس هناك أمر ذي بال يشدني إليه شد الأعمى لعصاه كما يقولون .. و لا كانت أحلام تراودني عن نفسي و لا كانت تراودني أية أفكار سواء جميلة أو قبيحة،  أفكار خير أو شر،  اللهم إلا فكرة حياة من فراغ ..

  اليوم تذكرت أني ذات يوم ، كنت أحمل هذه الفكرة فكيف تقنعت و أي رمز تدثرت بعدما أعياها الظهور عارية وسط أيامي العارية كأشجار الخريف العارية الأغصان من الأوراق..

من وراء ابتسامة ظهر ذلك الفراغ كنهر من دمع أحزان، كنت ألوك الساعات في لاشيء ، سئمت الرفاق سأم زهير بن أبي سلمى لثمانين حول عليه مر و الذي قال:سئمت تكاليف الحياة و من يعش*ثمانين حول لا أبالك يسأم.. سئمت و زلزلت أرضي زلزالها  و لا سحابة و لا غاية في الأفق . 

توهم.. تفاهة لا مذاق لها ، هكذا كان كياني يحس و يتنفس ذات فراغ .. 

توهم.. و أنت تنام نوم ميت و تصحو و أنت كمن كان يحمل في نومه الجبال أو كنت كسيزيف في صراع مع سبق إصرار لبلوغ قمة الجبل مع صخرته .

توهم.. و أنت تفيق و لا جديد تحت شمس يومك، يومك و غدك ، في صيفك و شتاءك.

توهم.. و أنت لا شيء يحلو و لا شيء كعلقم و لاشيء  يصفو و لاشيء يعكر ماء جيرك الأبيض بالفراغ،لاشيء أي فراغ.. فراغ.

الفراغ إذن لاشيء ، و في اللاشيء صعب أن يكون للمرء أفكار، اللهم إلا أفكار بلون الفراغ ، و هل للفراغ لون ، اللهم إلا لون الملل الذي بلون الرماد.

عدت إلى معنى الفراغ فوجدت أن كل المعاجم أجمعت على أنه يعني " الخلو من الشغل " 

و عثرت على أن هناك ما يسمى بالفراغ النفسي الذي ينشأ عن انعدام الهدف في الحياة 

و الفراغ الفكري و هو انعدام التصور الصحيح لهذه الحياة .. و وجدت أن مشكلة الفراغ ليست أصيلة نابعة من الفطرة لكنها طارئة على الإنسان و غالبا من جراء المحيط الذي يحيا به .. و في الفراغ تقدمت تقدم أوفيد في كوميدياه.

 فأوقفتني الفيزياء و قالت لي : الفراغ شكل من أشكال المادة ، و يقولها الفيزيائي بصوت عال أنه يرادف اللاشيء ضد كل عنيد يقول هو شيء.

و أوقفني طيف ما و قال لي : الفراغ لا يوجد و لكن فضاء ممتليء بالأثير الغامض ، الفراغ ليس إلا وهما على وهم .

و أوقفتني حكمة شهيرة و قالت لي : أن تشعر بالملل هو أن تقبل بالموت. 

و أوقفني العلاج و قال لي : ملء النفس و العقل و الوقت و المشاعر بكل جميل..

فجمال الفراغ أن تخلو من كل شغل و تعود إليك، تخلو لنفسك، جمال الفراغ أن تسبح في بحره الزاخر حتى تمحو ما كتبت ،و تنسى ما حفظت بتعبير محيي الدين بن عربي ، حتى تهدأ الجراح و تنام.

و أوقفني القرآن و قال :"فإذا فرغت فانصب"

قال الجنيد في هذه الآية : إذا فرغت من أمر الخلق ، فاجتهد في عبادة الحق ..

و قيل :  فَإِذَا فرغت من عمل فخذ في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل..

و قيل : آية (فإذا فرغت فانصب)تفتح نافذة على جانب من فلسفة الإسلام في الحياة. إنه  يتعلق بالحركة المستمرة والنشاط الذي لا ينقطع. و المؤمن، إنه في حركة دؤوب كل آن وحين. إنه يتحرك عندما يعمل، ويتحرك عندما يرتاح. إنه من يرتاح بالعمل، ويجعل وقت راحته مقدمة لعمل آخر دون كلل أو ملل.

و الذي يعيش في هذا المقام  هو الذي يعيش اليسر في العسر ، و يعيش حياته كاملة بلا فجوات.. نعم، إن حاجة الإنسان الفطرية إلى الراحة لا تنتفي ولكن الراحة المقصودة  هي  التي يتحول بها وقت الفراغ من نقمة  إلى نعمة. قال النبي صلى الله عليه و سلم : " نعمتان مغبون فيهما كل إنسان : الصحة و الفراغ " . والآن ، و أنا أقلب ممكنات تقنع الفراغ وجدت مصداقا للمثل السائر : الشيء إذا فاق حده انقلب إلى ضده،و لما كان الفراغ قد فاق حده يومها معي، جاءت عاصفة الشغل و أرخت علي شراعاتها كأن جاءني الموج من كل مكان حتى بت أحن إلى وقت فراغ كما يحن الوليد إلى ثدي.. 

الفراغ و الشغل آيتان تمحو إحداهما الأخرى كآيتي الليل و النهار  هكذا كانت خلاصتي ..لكن لا تجعل الفراغ إله و لا الشغل إله لأنه من الصعب على المرء أن يغير آلهته،  كما تقول إحدى شخيصات دوستويفسكي في روايته الشياطين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *