تطوان.. الحمامة البيضاء.. الفنان التشكيلي أحمد بن يسف يرسم حنينه إلى وطنه

تطوان.. الحمامة البيضاء.. الفنان التشكيلي أحمد بن يسف يرسم حنينه إلى وطنه

الجديدة:هشام بن الشاوي

يعد الفنان التشكيلي أحمد بن يِسِّف رائد الواقعية التعبيرية في المغرب، والتي اختار "بنك المغرب" بعض أعماله لوضعها على بعض الأوراق المالية والقطع النقدية المغربية، تكريما لهذا الفنان المغربي العالمي، المقيم بين المغرب وإسبانيا، والذي "كرس جهده وأعماله لإجلال الجمال والتغني به"، بتعبير د. المهدي المنجرة.

 في أحد أحياء  مدينة تطوان العريقة والحالمة، ولد أحمد بن يسف  سنة 1945م، ونشأ وسط أسرة متمسكة بالتقاليد التطوانية العريقة، الضاربة في الجذور الأندلسية، وتلقى بن يسف تعليمه الأولي في الكتّاب، وفي 1956م، انتقل إلى الثانوية، ولم يكن مهتما بدروس الرسم، وكان يحصل على أضعف النقط في الفصل، ولأجل ذلك أصر على تعلم هذه المادة والتخصص فيها، فانتمى إلى مدرسة الفنون الجميلة، وبعد ذلك هاجر إلى إشبيلية  لاستكمال دراسته العليا في مجال الرسم الزيتي والحفر والخزف.

 استوحى تجربته التعبيرية من البيئة العمرانية والاجتماعيةللمدينة العريقة، ولأن الفنان ابن بيئته، فقد برع أحمد بن يسف في تصوير مدينته ومسقط رأسه "الحمامة البيضاء"، مدينة تطوان المغربية، رغم تواجده في ديار الغربة، مفجرا عشقه الأبدي وحنينه الفياض إلى أحيائها الشعبية، بيوتها البيضاء الواطئة ووجوه أناسها البسطاء "في أعمال نابعة من أنوار مدينة تطوان وظلال أزقتها، وهي نقل حي لما يدب في الحاضرة من حركة، وما تتبادله القاطنة من أصوات، وما تتغنى به من موسيقى، وما يصدر عن الأطفال من ضحك، وعن النبات من عطر، وعن الطيور من حركة ورشاقة"،وقد جسدت لوحاته معاناة شخوصه برقة وشفافية، والذين اختارهم من المنسيين والمهمشين، الهائمين على وجوههم في دروب المدينة العتيقة، الغارقين في الصمت والحزن.

وحسب د. المنجرة، فقد كان لمدينة تطوان، ذات العطاء الثقافي الزاخر الفضل في إنشاء "مدرسة الفنون الجميلة"، والتي ما فتئت أن أنجبت بدورها "مدرسة الرسم"، التي سنت نهجا جديدا في فن الرسم، سرعان ما انتشر غبر العالم، وأصبحت محطة إشبيلية التي يشرف عليها بن يسف من أكثر المحطات العالمية تجسيدا لهذا النهج المتميز.

مأساة الوجود المعاصر :

تحيلنا جماليات الشكل عند بن يسف إلى واقع تمتزج فيه المأساة بقساوة الحياة، "ولهذا نراه ابتعد عن رسم الطبيعة فقط وتصوير الحلم في أحضانها. وإنما اكتفى بوعي مقصود في تصوير المدينة القديمة وحاراتها، والعودة إلى ذاكرة الطفولة، تلك الأعمال التي تجعل من أسلوبه أكثر واقعية ومأساوية"، بتعبير المفضل الحضري، فنماذجه البشرية، تكابد القهر والحرمان والتهميش، وتعيش في الظل وعلى هامش حياة سكان المدينة العتيقة، والذين انتشلهم من غياهب النسيان والظل، وجعلهم الفنان أحمد بن يسف جزءا من اهتمامته الفنية، بغية سبر أغوار هذه المدينة وخفاياها، والوصول إلى جوهرها العميق، عبر هذه المعاناة  التي تشي بأعطاب الواقع، الذي سلب من  شخوصه سلامهم الداخلي، فبدت مغتربة في مدينة ترفل في الهدوء، مدينة تغيرت ملامحها تحت ظل واقع جديد؛ مما حول بعض العناصر البشرية إلى أيقونات محيط متغير دوما وباستمرار، "الشيء الذي جعل كل شيء في هذه المدينة يفقد ملامحه الأصيلة".

مرثيات بالألوان :

استخدم بن يسف لغة  تشكيلية جديدة، للتعبير عن الواقع الحياتي ومحاورته ومواجهة العالم، "رغم صعوبة تكريس أسلوبية التعبير الواقعي في اللوحة". يبدو الفنان أحمد بن يسف في أعماله، كأنه يراقب الحركة فيها، ويصغي إلى أصواتها الداخلية، محاولا تجسيد ما يعبر بعمق عن روح هذه المدينة، وهو يرسم بعض الملامح من الحياة اليومية للناس، ويستعيد  – بلغة الألوان- ذكريات طفولته الهاربة :رجال قابعون أمام المسجد، طفلة تجمل دمية مهشمة أمام بيت قديم، سوق الصاغة، معمل الجلود، درب ضيق يفضي إلى فرن الحي، تجمعت ببابه الأعواد والرماد وألواح الخبز، وبه امرأة مسنة.. باب مغلق يعاني من عزلة ونسيان، زقاق ينحدر ماضيا نحو عتمة ظلام دامس.

 يخيل إلينا أننا نكاد نسمع همس الفنان خلف تلك الجدران المشروخة، والملامح الواجمة، ويدعونا  إلى "التباكي على زمن المدينة الزاهر، الذي ولى دون رجعة".

يقول المفضل الحضري :" في سبيل ذلك، نجد ابن يسف يتقيد بالواقع عن طريق الرسم، ويقدم الحركة والانفعال عند الإنسان، ليعبر بإيقاع وتكوين، لتصبح إيقاعات لونية متحررة من القيم التقليدية ومؤثرة في نفس المتذوق".

سر الحمامة البيضاء :

وبخصوص الحمامة البيضاء، التي تتكرر في لوحاته، فقد يتبادر إلى الذهن أنها مدينته تطوان، أو رمز السلام الشهير، بل اختارها لكي تضيف ليونة على لوحاته، لا سيما أعماله ذات الطابع الواقعي الاجتماعي، كما صرح في أحد الحوارات، فهو يقدر أن المتلقي شقي على نحو ما، والحمامة البيضاء تلطف من قسوة هذا الشقاء."كنت في السابق، عندما أرسم لوحة مغرقة في عمق الواقع الاجتماعي ببؤسه وعنفه، أضع وردة حمراء أو مزهرية في المشهد للتلطيف من قسوته، ثم اهتديت إلى فكرة الحمامة كرمز وديع للسكينة والمحبة والسلام، للتخفيف من جرعة الألم في نفسية المتلقي" .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.