تحرير الذات.. قبل تحرير مكة والقدس

تحرير الذات.. قبل تحرير مكة والقدس

بقلم أحمد المعطاوي

قديما قال الجاحظ : إن المعاني ملقاة على الطريق تطلب من يجمعها.. 
والآن مع الجدار الافتراضي الذي عوض الطريق، باتت المعاني كالزرابي مبثوثة صعودا ونزولا..

 إذ مع الحائط الأزرق أصبحنا عكس زمان الجاحظ عوض أن ننتشر أفقيا على طول الطريق، بدأ زماننا بالانتشار العمودي، أقول مقام هذا المقبل هو: وأنا أتصفح كلام الناس على الفيس عثرت على تدوينتين لصديقي محمد زنني، مجاز في علم الإجتماع  وشغوف بقراءة الفكر والرواية ، زين بهما جداره الأزرق والذي لا يحمل بالمناسبة إلا كل جاد أو نكتة بمعناها الكريم عند أهلها يقول في الأولى:

 “تحرير الذات قبل تحرير الأرض”.. وفي الثانية:” تحرير مكة قبل تحرير القدس”
فأخذني المعنى العزيز المبثوث بهما أخذ عزيز مقتدر وتأملته فقط كمن يتأمل قول المصلي “سمع الله لمن حمده” فكان هذا البوح الأليم…

ضوء عيون المليار مسلم ومسلم : القدس الحبيبة.. ضوئها هذه العيون منذ وطئت قدم الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثراها، فتبارك ذلك الثرى بأثر قدمه المبارك، وتباركت المدينة، وبانت كغاذة عروس ليلة عرسها، وباتت أولى القبلتين، وامتحان عز المسلمين منذ ذلك الحين. وأضحى المسلمون، الذين من أيديهم وألسنتهم سلم الناس، أشراف بشرفها أو عبيد تذروهم رياح الذل وتدوسهم أقدام أنجاس الأجناس ويسوقهم سوق القطيع صهاينة سكارى لا يرقبون في كريم أو فضيل أو مومن إلا ولا ذمة

وبعد القدس مدينة المعراج، أم القرى -مكة- مدينة بداية الإسراء والتي، كما وصف جحا ذات يوم نفسه يوم رأى أسنانه تسقط الواحدة تلو الأخرى فقال: تراني أموت بالتقسيط.. قد يسعفنا التعبير ونقول إنها أيضا نراها تضيع بالتقسيط، إن لم تكن قد ضاعت بالفعل، وإنها مسقط رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أكلت يوم اغتصب الحكم من شورى أرستها النبوة ،وأجرتها سنة الخلفاء الراشدين المهديين .. مدينة بيت الله الحرام، أضحت كمجرد ساعة تحدد أوقات الصلاة والصوم والعيدين.. أين هي من تخريج رجال الله العاملين، رجال القومة الذين لا يخافون في الله لومة لائم، أين هي من إخراج أمثال الشافعي والكندي وابن الهيثم وابن سينا والجنيد والمتنبي، تلك المدينة الجامعة.. إنها أصبحت تفرخ إما المستضعفين أو كل قاتل أثيم باسم الدين، إذا كانت قلب الأمة هي ونبضها لا يكاد يبين فكيف تقوم أو تستقيم ذات المسلمين؟

وإذا الذات سئلت… 
قيل: إرادة العيش والبقاء 
قيل: الهدوء، الصبر والكبرياء 
قيل: الحب، الصدق والبساطة 
قيل: المعرفة، التقصي والحكمة 
قيل: وتكون السيطرة على الذات من خلال الطبيعة والطبع والسلوك 
قيل: هوية يمكن لأي فرد أن يمتلكها مادام يمتلك الإحساس 
وقيل: الذات المعاصرة ثلاث: واقع (اليومي) ومثال(صورة المرء عن نفسه) وذات خاصة

 (ما يتحلى به الفرد) ومحدداتها الكبرى: 
1.الأمل 2.الإرادة 3.الهدف 4.الجدارة 5.الإخلاص 6.الحب 7.الاهتمام بالآخرين 8.الحكمة 
وبناء على ما سبق، يمكن أن نجمل في تعريف إلى حد ما جامع من بين الحاضر كما قيل 
والغائب نقول : الذات هي الإنسان روحا وعقلا وجسدا..

ولتحريرها يلزم العمل على الروح بالعبادة قال تعالى : ” وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون” وعلى العقل بالقراءة، قال تعالى “إقرأ بإسم ربك الذي خلق” وعلى الجسد بالرياضة والتغذية الجيدة، جاء في الأثر”صوموا تصحوا” ، وجاء على لسان المحاضر العالمي إبراهيم الفقي رحمه الله في كتابه المفاتيح العشرة للنجاح، أن الرياضة والعبادة والقراءة هن وقود الطاقة، الطاقة التي تحتاجها الذات لتكون شيئا في هذا الوجود الممدود، ولتشعر أو تفكر أو تفعل ما تريد.. فلا إرادة والتي هي حياة القلب إلا في الجسم السليم كما لا عقل سليم إلا في الجسم السليم بحسب المثل السائر 
فبامتلاك الجسد القدرة ، مع قدرة العقل على التحليل و التفكير يسمو المرء بذاته إلى ذاتٍ أفضل، أما إذا أضيف ثالث الأثافي المتمثل في كل ما هو أخلاقي إلى حياته ، فوقتها يرى المرء نفسه يسير بذاته الى العالم المثالي أو الروحاني 
إنه إذا تحرر الإنسان المسلم من حب صغير الأشياء و مسكنيها المتمثل في حب الدنيا وتحرر من الكراهية كمبدأ ومنه كراهية الموت، فإنه يتحرر أكيد من الوهن الذي غطى القارات من كل حدب وصوب وتنطلق ذاته كشاهين يجوب الآفاق، آفاق الحرية والسلام، وتخلص بالتالي من الخوف المرضي من فزاعات الداخل وعفاريت الخارج، وها الذات تحررت وتحررت أم القرى والقدس مدينة الصلاة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *