انتظارات المواطن المغربي من رهانات إصلاح المدرسة العمومية

انتظارات المواطن المغربي من رهانات إصلاح المدرسة العمومية

ذ.رشيد الماهيري

حاولت الدراسة التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وهو يقوم بتشخيص لحالة المنظومة التربوية عبر بوابته الالكترونية استطلاع آراء المواطنات والمواطنين عبر استقراء وجهات نظرهم حول قضايا التربية والتكوين ، وهي دراسة لم تكن تهدف إلى التعداد الدقيق لكل جوانب قصور المنظومة التربوية أو جرد مفصل لكل الاقتراحات حسب الفئات المساهمة ، وإنما تحديد الاختلالات الأساسية من منظور هذه الفئات والتوجهات العامة المستقبلية التي تؤطر انشغالات الرأي العام الوطني ، والتي ينبغي الالتفات إليها في الفترة المقبلة من زمن الإصلاح . وبالتالي ، فان هذه الدراسة وان كانت  تطمح الى تحقيق الأهداف المعلنة  في الإطار المنهجي ، فهي من جهة أخرى تحاول أن ترسم أولويات ومعالم طريق الأوراش الكبرى التي ينبغي الانكباب عليها ، وتنزيلها على أرض الواقع ، من أجل تحقيق نتائج ملموسة في مجالات حاسمة في الإصلاح ، وتتمثل هذه الأولويات في ضرورة مواصلة الجهود فيما يتعلق بتعميم التعليم ، بما في ذلك التعليم الأولي ، وضمان انفتاح المؤسسات التعليمية على كل الأطفال البالغين سن التمدرس ، واحتفاظها بكل تلامذتها لأطول مدة ممكنة ، وتزويدهم بالمعارف  والكفايات الضرورية للحياة ، وبقواعد المواطنة والأخلاق الفاضلة ، في أجواء سليمة ، وفي بيئة بيداغوجية ملائمة ومضيافة تستجيب لانتظارات المجتمع ، ولحاجات التنمية المستدامة ، الأولوية الثانية هي العمل على الارتقاء بالكفايات المهنية  والقدرات التدبيرية للموارد البشرية العاملة بقطاع التربية والتكوين ، من خلال اقرار اجبارية التكوين المستمر ، ومراجعة نسق التكوين الأساس في كل مستوياته .

ثالث الأولويات تتمثل في الفعل التعليمي ، من خلال اعمال اليات المراقبة والمواكبة التربوية ، وتقييم تعلمات التلاميذ بكيفية دورية ومنتظمة ، قصد المساءلة والمواكبة والتحفيز ، وارساء برنامج للدعم التربوي ، يحظى باهتمام بالغ من قبل الوزارة الوصية ، يعهد للخبراء من أجل بلورته ، وتحديد أهدافه ومختلف عملياته واليات تنزيله ، يسهر على تنفيذه المفتشون ، ويرعونه بالتتبع والمراقبة والتقويم ، وتخصص له اعتمادات مهمة لحفز المدرسين على الانخراط في هذا المشروع .

ويأتي موضوع الحكامة  ضمن رابع الأولويات ، وذلك عبر تحيين ومراجعة الاطار القانوني الموجه لمنظومة الترية والتكوين ، وارساء اليات القيادة والضبط والتقويم ، ومنهجيات التدبير الناجع لمختلف الأجهزة المكلفة بالتسيير الاداري والتربوي  على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية ، وترسيخ المسؤولية وتوضيحها ، واعمال  اليات المراقبة والتتبع ، وربط المسؤولية بالمحاسبة .

كما يأتي الحسم في الاشكالية اللغوية ضمن سلم الأولويات المعبر عنها والمتمثلة في استعمال غير متناسق للغة التدريس في منظومة التربية والتكوين ، واثره على صعوبة اكتساب المعارف العلمية ، والكفايات التجريبية والتطبيقية في الجامعة ، نظرا لضعف المام التلاميذ باللغة الفرنسية . ومن الضروري التحلي بالشجاعة لحل مشكلة عدم الانسحاب اللغوي السائد حاليا بين الأسلاك التعليمية  ، اذ لم يعد مسموحا تجاهل هذه المسألة المفصلية ، وذلك بالإسراع بتشكيل لجنة موسعة من الخبراء  المشهود لها بالكفاءة ، تضم ممثلي الأحزاب ،والنقابات ، وجمعيات أباء وأولياء التلاميذ ، لاقتراح حل عاجل ، يحظى لتوافق جميع الأطراف .

معالجة بعض الظواهر السلبية كذلك كانت ضمن انتظارات المواطنين ، وهي الظواهر التي تعاني منها المؤسسات التعليمية ، اذ لم يعد مسموحا الاستمرار في تجاهلها ، دون اتخاذ مبادرات للحد منها ، ومنها أساسا ظاهرة الغش في الامتحانات ، وتدريس الساعات الخصوصية ، من منطلق أن الوقت قد حان لإثارة بعض الاشكالات المسكوت عنها ، التي لا تتطلب معالجتها سوى التحلي بالإرادة والعزيمة القوية ،وروح المواطنة الصادقة ، كما بات من الضروري ارساء اليات لتقويم الأداء المهني لكل الفاعلين في المنظومة ، ومواجهة تنامي أزمة الضمير المهني لدى بعض أطر هيئة التدريس ، والعاملين في حقل التعليم بشكل عام ، وذلك من خلال تفعيل القوانين الزجرية للمخلين بالواجب .

دعم التواصل والتعبئة حول المدرسة كانت أيضا ضمن أولويات المواطنين ، حيث تعاني المؤسسات المغربية من الانعزال عن المجتمع ، وتنامي مشاعر عدم الثقة اتجاه العاملين فيها ، وتزايد التمثل السلبي للمواطنين بخصوص أدوارها ، ويعزى نقص التعبئة أساسا _ حسب استطلاع أراء المواطنين _ الى ضعف الاستراتيجية التواصلية لرؤساء المؤسسات التعليمية لاستقطاب الشركاء وفعاليات المجتمع المدني ، والى ترويج وسائل الاعلام لأخبار سلبية تستهدفها ، وتبالغ في ابراز مشاكلها وعيوبها ، وفي هذا الصدد يتعين على كل الأكاديميات بلورة خطة لدعم التعبئة حول المدرسة ، وتنفيذ استراتيجية تواصلية متكاملة  ، بما فيها اعداد مخطط تكويني يستهدف مديرات المؤسسات التعليمية وجمعيات أباء وأمهات التلاميذ وشركاء المؤسسات التعليمية .

إن تدبير الأولويات السالفة ، وتجسيدها على أرض الواقع لن يكون اجرائيا وناجعا الا ضمن مشروع إصلاحي يستند الى منظور متكامل ومتقاسم بين مختلف الفاعلين التربويين والشرائح الاجتماعية والفعاليات والتنظيمات الجماعية ، يضع المسألة التربوية في إطارها الاجتماعي العام وصمن سيرورتها الزمنية الملائمة ، ويشتغل وفق منطق الاحتواء والتجاوز ، ترسيخا للاستمرارية ، وترصيدا للتراكم ، وتعزيزا للإنجازات والمكتسبات وتطويقا للاختلالات .

ان الاشتغال بهذا المنطق_ حسب تقرير المجلس الأعلى للتعليم _ سيكرس لامحالة تقاليد التغيير المؤسساتي ، وسيوفر مناخ الاستقرار التربوي والنفسي والاجتماعي الداعم لكل مبادرات الإصلاح والتغيير المطلوبة في شأن التربية والتكوين والبحث العلمي في المرحلة المقبلة 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *