الوعي الشعبي المغربي، شجرة بامبــو صينيــة

الوعي الشعبي المغربي، شجرة بامبــو صينيــة

البيضاء: حسناء حجيب

تُعرف شجرة البامبو في بداية نموها بالبطء الشديد، حيث بعد زرع البذرة وبعد مدة ليست بالقصيرة تحت التراب، تتفاعل لتخرج نبتة شديدة الصغر، تتطلب رعاية خاصة وسقيا بشكل منتظم، وتظل على هذا الشكل لمدة خمس سنوات،

كذلك هو الوعي الشعبي للمغاربة، قبل وخلال وبعد فترة ما سمي ب ” سنوات الرصاص”، ظل كشجرة البامبو يتفاعل ويستمد قوة البقاء، تحت القهر والظلم والفساد، مما قدمته فئة استثنائية من الشعب، من تضحيات ونضالات دامت لعقود، لتتفتق مع هبوب رياح ” الربيع العربي، نبتة وعيه تفتقا صغيرا ومحتشما،

ومع مغادرة “الربيع”، ظلت نبتة الوعي الشعبي على حالها، تستمد قوتها مما خلفه هذا الزائر، الذي غادر وقد حمل معه ما شاب البذرة من ضعف، وأزال غشاء الخوف عن قلبها، الذي زرعه سدنة الفساد والافساد، غادر الربيع، مخلفا وراءه تجربة كبيرة ونضجا عميقا ، حمى البلاد والعباد من ويلات كانت ستأتي على الاخضر واليابس، كما وقع للبلدان التي استعجلت النتائج وحرقت المراحل الصحيحة والسليمة لتحقيق التغيير،

البامبو شجرة بعد اكتمال نموها تبقى لينة ومتينة في نفس الوقت، تجدها تتمايل وتنحني مع كل ريح عاتية، لتعود للانتصاب شامخة بعد مغادرته، كذلك هي طبيعة المواطن المغربي في تعامله مع الفترات الصعبة التي مر بها المغرب بعد “الاستقلال” ، محطات لولا صبره وقوة تحمله، ولولا تضحياته، لانفجرت الاوضاع واشتعل فتيل الفتنة.

المواطن المغربي مهما جارت عليه الظروف، وأينما رمته رياح البحث عن لقمة العيش، أعزلا وحيدا، وفي بعض الأحيان لربما مشردا مقتلع الجدور، وجدته كشجرة البامبو، التي من الممكن أن تأخذ جزءا من ساقها وتزرعه في اي مكان، فتنبت لها جدور جديدة، لتبدأ بالنمو من جديد، وتقف ثابتة متجدرة في الأرض لا يمكن اقتلاعها،

الجميل في الشجرة الصينية، أو شجرة الخيزران كما يطلق عليها في بعض الدول العربية، ان بعض انواعها، تبدأ بالازهار في نفس الوقت في مناطق مختلفة من بقاع العالم، تتفاعل في نفس الوقت وبنفس الطريقة، وكذلك هو المواطن المغربي المغترب، في تفاعله مع ما يقع لإخوته المغاربة وغيرهم، في بلاده الأم ” المغرب” أو خارجه، تجد المغترب في بلدان أوربا والمغترب في أمريكا واستراليا وغيرها من القارات، تجدهم جميعا وفي نفس التوقيت مجتمعين حول نفس القضية وطنية كانت أم دولية، أوحتى شخصية مست فردا داخل المغرب أو خارجه.

قد يقول البعض، خصائص سلبية أكثر منها ايجابية تفردت بها هذه الشجرة، دونا عن غيرها من الأشجار على أرض البسيطة،” ، نمو بطيئ وظهور جزء بسيط محتشم منها لمدة خمس سنوات طوال، وحتى بعد نموها فهي تنحني أمام الرياح والعواصف”، يبدو أنها نبتة متعبة، وعطاءها محدود، فما الذي يجعلها مميزة؟

البامبو وإن ظهر بهذا الشكل خلال المرحلة الأولى من نموه، إليكم المفاجأة،

فما ان تكمل النبتة سنواتها الخمس ، حتى تبدأ في النمو بشكل سريع قد يبلغ المتر الواحد في اليوم أي في 24 ساعة، ويستمر نموها على هاته الوثيرة لمدة ثلاثة أسابيع بدون توقف، إلى أن تلامس عنان السماء، نحيفة الخصر، لا يتعدى قطرها الثلاثون سنتمترا، الذي يستمرهو ايضا في الاتساع بعد أن يكتمل نموالشجرة طولا،

كذلك هو الوعي الشعبي للمغاربة اليوم ، تفتق بطريقة يستحيل معها منعه أو تحجيمه مستقبلا، فقد نجح في ايام قليلة في التأثيث والتأسيس لثقافات جديدة عليه،

في الأيام الأخيرة، اتخذ الشعب المغربي قرارا بمقاطعة بعض المواد الغذائية لشركات كبرى، وجعلها رمزا للاحتجاج على غلاء المعيشة التي أنهكت قدرته الشرائية، فعل اتحد فيه غالبية الشعب، الغى فيه كل اختلاف وخلاف، وابدع في أساليب التعريف والدعوة له، فكان الاعلام البديل، ابدع صورا وفيديوهات وربورطاجات…، وقام بتغطية اعلامية شاملة، لعب فيها عدة أدوار، فكان الصحفي والمخرج والتقني والمصورفي نفس الوقت،

أبان الشعب المغربي في هاته المرحلة على قدرة عجيبة في التفاعل مع ردود الأفعال السلبية التي قابلت المقاطعة، وتعامل معها بحكمة، واستفاد منها لتوسيع دائرة المقاطعة وضمان استمرارها، ونجح في ذلك بامتياز،

نجح المواطن المغربي البسيط، فيما فشلت فيه الاحزاب والحكومات التي تعاقبت ، لعب الدور الذي لم تستطع أن تلعبه النقابات وجمعيات المجتمع المدني، نجح المواطن المغربي البسيط في وقت وجيز، في تحقيق ما فشلت جميع القوى في انجازه منذ سنين،

استطاع ان يجتمع على رأي واحد وأن ينظر له ويفعِّله، بآليات مختلفة كلها تخدم المشروع، استطاع التغلب على الاصوات النشاز وأن يلجمها، بل وأن يجبرها على الاعتذار والخرس، استطاع الشعب المغربي الخيزراني الخصائص، أن يؤثث في وقت قياسي، لمبدئي ” المقاطعة والاعتذار”، وأعطى درسا لمن كانوا يتبجحون منذ عقود، بأنهم يعملون على الرقي بالوعي الشعبي للمغاربة، وأن الأمر يحتاج المزيد من الوقت والجهد، ويعتبرون أنفسهم مواطنون من الدرجة الأولى، ويتصدرون المشهد كأنهم أوصياء على الشعب،

حملة المقاطعة هي الأوكسيجن الذي كان يحتاجه المواطن المغربي، لإيقاظ وعي “حاضر”، لكنه كان مخدرا بسبب المناخ العام الملوث والمسموم، ولإعادة الحياة لمسار نضالي طالما تعرض للتضييق والخنق،

وكما استطاع هذا الفعل الشعبي التلقائي، أن يؤثث لمبادئ متجدرة في ثقافة من سبقونا من الشعوب المتقدمة، في وقت قياسي، فهو فعل ساهم أيضا، في اعادة الأمل لشعوب عربية كانت تعيش هي كذلك سكتة دماغية شعبية، بسبب الخوف من المشاركة في ربيع لم يحمل معه للأسف سوى الدمار، فارتأت الصمت والرضوخ،

ليتماهى الوعي الشعبي المغربي مع شجرة البامبو، في أهم خاصية تتفرد بها، وهي عطاءها الاستثنائي ووجودها الضروري لاستمرار الحياة، فهي الشجرة الوحيدة على أرض البسيطة، القادرة على امتصاص اكبر نسبة من غاز ثاني أوكسيد الكاربون، وانتاج أكبر نسبة من ثنائي الأوكسجين،

ان كان الخيزران ينمو بسرعة فائقة طولا، فقطره لا يتجاوز بعد اكتمال هذا النمو، 30 سنتمترا، ويحتاج لاكتمال دائرة اتساعه وقتا ليس بالقصير، ولتضمن الشجرة ثباتا يصعب معه اقتلاعها، وجب عليها اكتمال نمو جذعها،

فكذلك وعيُنا، لا يكفي ان يتفتق وأن يبلغ صداه مداه، بل يحتاج منا عناية أكبر، تكوينا وتثقيفا وتأطيرا، لا يجب أن نغتر بما حققناه أو أن نستهين بمن انتصرنا عليهم من فاسدين ومفسدين، فرأس الفساد وإن اقتلعناه يتجدد، والمكتسب إن لم نرعاه ونحميه فقد، والطريق طويل، والنفس يجب أن يكون أطول، ولإطالته لابد من التمرن والتمرس، وقبل هذا وذاك لابد من الصدق في المطلب، وتفريغه من كل مسعى شخصي وأنانية إستعلائية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *