الماء في المعتقدات الشعبية المغربية

الماء في المعتقدات الشعبية المغربية

الجديدة: هشام بن الشاوي

ظهر مفهوم التدين الشعبي في المنظومة الإسلامية كترجمة للمفهوم الذي برز عند الغرب، وظهر مع الدراسات الغربية لظاهرة الأولياء وزيارة الأضرحة، لذا فلا غرابة أن يحمل المدلول الغربي، أي "الإسلام الشعبي"، إسلام الجماهير من العامة التي لم تجد نفسها في المؤسسات الدينية التي يمثلها الفقهاء والعلماء.

فالإسلام الشعبي هو إسلام العامة في تلقائيته وبساطته وأيضا أسطوريته وخرافاته وصعوبة فك ألغازه.

وقد طرحت إشكالية الدين الشعبي، منذ الكتابات الأنثربولوجية والسوسيولوجية الأولى حول الإسلام في المجال المغاربي، وهو ما اشتهر في هذه الكتابات بــ le maraboutisme؛ أي مجموعة من المعتقدات والممارسات التي تتعلق بأشخاص وأماكن يمنحها المسلمون قوة وسلطة خارقة حسب التعريف الأنثربولوجي.

في كتابه (بركة النساء، الدين بصيغة المؤنث) استعرض الباحث السوسيولوجي رحال بوبريك دراسة للباحثة صوفي فرشيو اعتبرت فيها زيارة الأضرحة ظاهرة لها علاقة بالتصوف والممارسات الإحيائية، أي نمطين يحاولان الإجابة عن طلب آني. فهي تقوم بوظائف اجتماعية ونفسية وليست دينية فقط؛ فالمسجد الموصد أمام النساء جعلهن يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن خلاص ديني أو دنيوي.

فالزاوية ومكان الولي غير محرمين على النساء يلجنهما بدون ضوابط شرعية مقننة، لذا فإنه في مقابل قيام الرجال بإحياء الذكر بحثًا عن خلاص الروح من الجسد والإكراهات المادية، فإن المرأة تقوم بطقوس الرقص والجذب، كممارسة جسدية تهدف إلى تحرير الجسد من الجن الذي يتملكه ويسكنه.

بالجذب يتحرر جسد المرأة أيضًا من كل الإكراهات الاجتماعية ويعبر بعنف عن حريته،  وإذا كان الرجل في سبيل تحرر روحه يقوم بالترتيل، فالمرأة تقوم بتحرير جسدها عن طريق الإيقاعات الموسيقية. بينما يستعمل الرجل في ترتيله عبارات من وحي القرآن والنصوص الدينية، تتلفظ المرأة في جذبها بكلمات أحيانًا غير مفهومة مما يعني أنها من وحي قوة غيبية إن لم تكن شيطانية.

والأغاني التي تنشد عند مقام الولي تعبر فيها النساء غالبًا عن الحرية وكسر التابوهات، كما أن حركات الجسد إبان الجذب تمكن المرأة من التعبير عن متعتها وتحرر الجسد من الإكراهات الاجتماعية والأخلاقية السائدة.

الذِكر لدى الرجال والرقص لدى النساء إذن –كما ترى الباحثة صوفي فرشيو – هما وسيلتان طقوسيتان للوصول إلى حالة خاصة للتواصل ومد الجسور بين الإنسان واللامرئي. فالمرأة تتواصل مع هذا اللامرئي بواسطة حضور الجني الذي يسكن الجسد على شكل مرض تريد التخلص والشفاء منه بنجاعة مباشرة وآنية ومادية، بينما الرجل يبحث عن نجاعة روحية أبدية عبر التوحد مع الله.

حسب المعتقد الشعبي تظل "الولية" فاعلة في حياة من يزورها بعد وفاتها وبركتها لا تنقطع بحدث غيابها الجسدي، ومكان دفنها- ضريحها- يصبح مكانا للتبرك والتضرع به والحج إليه طمعًا في قضاء الحوائج.

فعائشة البحرية مثلا، وكما تروي الأسطورة، قدمت من المشرق للقاء الولي مولاي بوشعيب، المعروف بمول السارية، قرب الجديدة (90 كلم جنوب البيضاء) بأزمور قصد الزواج منه، ولكنها غرقت بمصب وادي أم الربيع لتدفن عند المصب، قرب ملتقى النهر  والبحر.

هذا المصير التراجيدي لامرأة قطعت مسافات طويلة للقاء أحد أولياء الله (الولي بوشعيب) قصد الزواج منه سيضفي على عائشة هيبة في النفوس وسيصبح ضريحها مزارًا للنساء الباحثات عن الزواج والمعتقدات في قدرتها على جلب السعد، الذي هو الرجل.

 منحت المعتقدات الشعبية لهذه المرأة قدرةً على جلب الزوج، وهي التي لم تستطع أن تحقق أمنيتها بالزواج. هنا نلاحظ كيف حوّل المخيال الشعبي مسار الحياة العادية لامرأة إلى كرامة تعمل على تحقيق ما عجزت عن تحقيقه هي بنفسها في الواقع.

وهو ما نلاحظه في حالة الولي بوشعيب كذلك، الذي اشتهر بلقب "عطاي لعزارا" لقدرته على تحقيق رغبة النساء بإنجاب الذكور، رغم أنه ظل عازبًا، هكذا تحولت العزوبية إلى إنتاج قداسة وتبرك نقيض.

وأسست المعتقدات الشعبية لتخصص لكل واحد من هاتين الشخصيتين، التي شاءت الأقدار أن تفرق بينهما في موقف تراجيدي ليصبح مختصًا في النساء وأحوالهن العائلية. كل واحد تأتيه النساء محملات بالهدايا متوسلات ببركته وخاضعات لطقوس مقننة قصد الوصول إلى المبتغى، وإذا تحقق المطلوب تنشأ علاقة تعاقدية بين الطرفين، إذ أن المرأة التي تزوجت أو أنجبت ستحمل في عمقها تقديرًا وعرفانًا دفينًا للولية، وقد تواصل زيارتها للتبرك والامتنان، بل تصبح هذه الزيارة واجبًا على المرأة إن هي أرادت استمرارية مفعول بركة الولية وتجنب  غضبها.

طقوس الحصول على البركة

والنساء الزائرات "للّا عايشة البحرية" أو "عائشة مولات لمواج" أو "للّا يط"و أو "عائشة السودانية"، يخضعن لطقوس وممارسة معينة إبان الزيارة إن هن أردن أن يتحقق طلبهن المرتبط دوما بالزواج.

لا يتوقف الأمر عند مجرد التبرك والتضرع، بل إخضاع الجسد لطقوس معينة، فبالنسبة إلى للا عايشة البحرية مثلا،  على المرأة العاقر أن تمرر على جسدها الحناء الممزوجة بماء البحر، وبعد ذلك تغتسل -بمساعدة المشرفة على الضريح، المقدمة- بماء سبع أمواج متتابعات، وعند الانتهاء تتخلى عن بعض لباسها الداخلي، وبعد ذلك تمنحها المقدمة حزامًا أخضر عليها أن تضعه.

ومنهن من يجب عليها أن تستحم في خلوة وتهجر ملابسها الداخلية وتخطو فوق بخور سبع خطوات، ومنهم من يقمن بالاغتسال قرب الضريح ويكتبن أسماء عشاقهن أو من يراد الزواج بهم.

يتداخل في هذه الطقوس المرتبطة بزيارة الأضرحة ما هو ديني مع ما هو سحري، والممارسات والطقوس التي كانت سائدة في  الجزيرة العربية وشمال إفريقيا والبلدان الأخرى.

إن بعض نماذج القداسة النسائية وثيقة الارتباط بالماء، والماء يحضر بقوة كرمز للطهارة بالنسبة للنساء، فالأمواج والماء تطهر من النحس، فحين تأتي الزائرات لعائشة مولات لمواج، فعلى  الموجة أن تحمل هداياهن للولية عربونا لقبولها زيارتهن ويغتسلن كذلك بماء الحوض، الذي يوجد فيه حجر ينسب إلى الولية.

تتكثف صورة الماء في المخيال الشعبي من مادة مطهرة إلى مسكن للقوى الخفية.  وفي جل الحضارات كان البحر والبحيرات موضع أساطير تروي عن كائنات غريبة تخرج من الماء، وظهرت عبادات منابع المياه والمغارات في المغرب، كما ورد لدى هنري باسي في كتابه حول الطقوس التي تمارس أمام المغارات في المغرب منذ عهد الرومان إلى بداية القرن العشرين. إن بعض منابع وعيون المياه لم تتحول إلى أماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر يتعلق باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء في الطقوس.لقد قام جون لويس كادو بوضع تصنيفين للماء :الماء المقدس وماء الولاية، وإذا اعتمدنا  ترجمتنا والمرجعية الإسلامية، فالقداسة بالنسبة له ترتبط بكل ماهو وثني والولاية بكل ماهو مسيحي. إن الماء يستقي ويجد خصوصيته المقدسة من الولي الصالح الذي يوجد قربه، سواء القدرة على الشفاء أو جلب السعد، فهو المانح لهذا الماء قدسيته لأنه يدخل في كرامات وخوارق العادات التي تميز الولي عن باقي البشر. ويعد الماء من المواد الأكثر استعمالا من قبل العامة من أجل ربط الاتصال الملموس والتبرك بالولي،  فضلا عن كونه يتمتع بالصفاء والشفافية التي تضفي عليه طاقة في تحقيق التواصل المادي والروحي مع الولي.

 لقد جعل الإسلام الماء شرطا ضروريا لإقامة الشعائر من خلال طقس الوضوء،  كما أن آخر مادة تلمس جسد المسلم هي الماء في آخر علاقة له بعالم الأحياء، قبل أن يوارى الثرى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.