اللاتمركز الإداري في الجهوية المتقدمة بين تجميع الشتات ومرصد الإدارة العمومية

اللاتمركز الإداري في الجهوية المتقدمة  بين تجميع الشتات ومرصد الإدارة العمومية

عبد الكريم جبراوي 

 اللاتمركز الإداري مطمح إيجابي لتقريب الإدارة من المواطن ولتسريع وتيرة الأداء الإداري من المرتفقين ولتفعيل أدوارها المتناغمة ، وهو غاية من غايات التنزيل الفعلي لإصلاح الإدارة في المغرب قصد تجاوز ما تراكم من إخفاقات همت تدبير المرفق العمومي وبغية الارتقاء بها عبر دينامية جديدة تسعى لاحتواء الاحتقان الذي بات ينضغط أكثر فأكثر إزاء التسيير المجالي لقطاعات الإدارة العمومية بشتى تخصصاتها ونفوذها الترابي ، ساهمت فيه العقليات البيروقراطية التي وصلت حد مراتب العقم في المبادرة والبطء الشديد في الأداء والاختلال في التدبير وتنوع وتباعد ” الأبواب ” للحصول على وثيقة أو لإعداد ملف مع ما يكلف ذلك من جهد وتضييع للزمن الإداري وكلفة مرتفعة …

 والنماذج كثيرة لا تحصى بعدد أصنافها وأشكالها مثل إنجاز وثيقة انتقال ملكية سيارة من مالك إلى آخر أو إنجاز بطاقة التعريف الوطنية أو كناش الحالة المدنية أو رخصة بيع عقار فلاحي أو …، فمثلا للقيام بإجراءات دفن شخص توفي في بيته موتة طبيعية أو نتيجة سكتة قلبية مفاجئة على أهله أن يقوموا بتنقلات مكوكية ما بين مركز الطبيب المكلف بمعاينة الموتى لاستلام شهادة الوفاة ومصلحة التشريح إن استدعى الأمر نقل جثة الميت إلى المشرحة وإلى الإدارة الأمنية في حال الحاجة إلى تشميع الصندوق الذي يحتوي الجثة وإدارة المجلس الجماعي للتصديق على وثيقة الدفن وإلى المقبرة للإخبار قصد إعداد القبر ….

    ولإنجاز ملف طلب منحة دراسية على الأب أو ولي أمر التلميذ أن يتنقل ما بين المؤسسة التعليمية الأصلية لتعبئة الخانات الخاصة بها وإلى الجماعة الترابية لإنجاز النسخة الموجزة من رسم الولادة وشهادة الحياة الجماعية والتصديق على الإشهاد بالشرف وإدارة الأملاك المخزنية لملء خانات مصلحة الضرائب دون إغفال بحوث الشيوخ والمقدمين ..

    وعندما نسوق نماذج من الأمثلة فإننا نضع نصب الأعين مسألة تباعد المسافات ما بين الإدارات المعنية بكل حالة ومقر سكن المعني بالموضوع ومسألة توقيت العمل خصوصا إذا لم ينجز المطلوب في ذلك اليوم وكانت الحاجة إلى يوم آخر أو أيام أخرى ومسألة وسائل النقل التي أحيانا تفرض على المرتفق أن يستقل أكثر من وسيلة للوصول إلى الوجهة المقصودة وحالات غياب المسؤول بسبب التزام إداري آخر أو ” غيره ” وانعدام وجود نائبه أو من يقوم مقامه و…، وكلها مترابطة تساهم في خلق المعاناة للمرتفق وتوليد حالات التبرم والتضجر لديه إزاء الإدارة ، يضاف إلى ذلك موضوع ” الجهة ” التي يحتاجها المرتفق لتقديم شكايته ضدها سواء تعلق الأمر بامتناع عن تسليم أو تماطل وتأخر في الإنجاز أو تقصير في العمل أو ابتزاز أو شطط في استعمال السلطة ..

    وتحقيقا لموضوع اللاتمركز الإداري بالفاعلية المطلوبة ، يجب لزوما التعامل معه من منطلقين أساسيين لا محيد عنهما :

    المنطلق الأول : اعتبار اللاتمركز الإداري آلية وبنية تحتية جديدة تنسلخ عن المألوف في اللاتمركز الذي ينبني عن نقل الاختصاصات المركزية إلى ذات الإدارة بالجهة حسب التقسيم الترابي لجهات المملكة ، وحتى لا يكون اللاتمركز تمركزا جديدا من المركز ( العاصمة ) إلى ” عاصمة ” الجهة ، بل يتعين إضافة إلى ذلك تبني سياسة جمع الشتات الإداري حسب طبيعة الوثائق والملفات والأغراض الإدارية ضمن مركبات إدارية قائمة الذات تعمل على توفير المطلوب ضمن ما هو متعارف عليه بالسلسلة القطاعية التراتبية  …

     المنطلق الثاني : إحداث ” مرصد للإدارة العمومية ” بهياكل وطنية وجهوية وإقليمية وحتى محلية ليكون وجهة رسمية للمتضررين من ضرر إداري موظفين كانوا أم أشخاصا عاديين ، وهو بنية إدارية يمكن تشكيلها من موظفي الدولة وفق مواصفات دقيقة تجمع بين الخبرة الإدارية والتجربة الميدانية وفاعلية القدرة على التواصل الأفقي والعمودي والدراية بالمجال الترابي …

     ويبقى الأمل في أن يكون التنزيل الحقيقي للخطاب الملكي الأخير حول ميثاق اللاتمركز الإداري في أفق تنزيل حقيقي للجهوية المتقدمة أملا بالجديد في جدته المغايرة وليس إلباسا للقديم رداء جديدا يستر المتآكل تحته …     

عبد الكريم جبراوي

Jabraoui2013@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *