الانطلاق من الذاتي إلى الكوني بالحنكة والمراس

الانطلاق من الذاتي إلى الكوني بالحنكة والمراس

الأديبة: مالكة عسال
 
قراءة في ديوان(( ظمأ الموج ))للشاعرة ثريا لهراري الوزاني 
1ـــ مقدمة 
((ظمأ الموج)) ديوان من الحجم المتوسط يتمدد على 244 صفحة ، يضم مايقرب من 100 قصيدة ، حصيلة ونتاج  أربعة أجزاء شعرية بعناوين مستقلة تعتبر روافد  ، لملمتها شاعرتنا  تحت ظلال عنوان رئيسي (( ظمأ الموج)) وكان شرفا لي أن أحظى به كهدية من قبل صاحبته ثريا لهراري الوزاني ذات لقاء بمدينة الرباط..
 ***ـــ العتبة النصية الخارجية
 أول شيء وضعت عليه إصبعي هو العتبة وقيمتها للرصد والبحث والتأمّل والتدبّر والدراسة، كنص مواز يمد القارئ بأول خيط  للكشف، ويفتح له بوابة  ولوج النصوص ،لتمتين العلاقة بين القراءة والنصوص ،وعليه فقد أتت شاعرتنا بجملة من العناصر للإضاءة وشّحت بها الغلاف حيث  أضاءته بلوحة جميلة للبحر وكائناته البحرية  مشخصة عُلو الموج، وهذا تعبير جلي لما في كُنْه الشاعرة ، من طموح لمراتب شاهقة تصبو إليها ، أو لملامسة الآفاق البعيدة  التي تحجبها  ظلال مبهمة ..وتفاديا للسقوط  في المباشرة ، تجاوزت الشاعرة عنوانها العادي  ((علو الموج)) بعنوان مجازي تجمع بين متنافرتيه ((ظمأ الموج ))  علاقة حميمية ،أدركت الشاعرة ثريا كيف تلصقهما بخيط رفيع ،لتخلق انسجاما غير عادٍ يشعل فتيل اللغة بالسؤال والجمال فتتدفق فيها الحرارة الحركية والجمال   …
فالظمأ معناه العطش الشديد نتيجة حرّ غير محتمل ،أو تعب يفوق طاقة الجسد ،كان هذا او ذاك فالظمأ هو جفاف الحلق من الريق واحتياجه إلى الماء لبلَله حتى الارتواء ،وقد وظفتها الشاعرة للموج في جملة تامة ((ظمأ الموج)) مقبولة لغويا ،لكن اصطلاحا ومعنى :فالجملة قفزت على المتداول إلى الغوص في دلالة عميقة لها بعدها التخييلي الترميزي، تخفي أشياء أخرى بين السطور ، فالموج  لايظمأ  بل يغمر ويأتي  أحيانا على الأخضر واليابس  بموجات السزيمك البحرية، وتشهد بعض العواصف الجوية درجات توتر عالية تؤدي إلى الزوابع والأعاصير ،كما  حدث في اليابان والفلبين وتايلاند  وغيرها من البلدان. وصِفة الظمأ العالقة بالإنسان أوأي كائن حي، أصبغتها شاعرتنا على الجماد لتخلق نوعا من الدبيب  والحركة في الأشياء..
2ـــ التيمات 
اعتقلني الديوان ببهاء لغته وصفائها ،وفرادة صياغته ،وتنوع شعره بين العمودي والنثري ، وبراعة أسلوبه ، وتعدد تيماته التي توالت بزخم،مما يبين بالكاد أن المواضيع تتزاحم في علبة الصدر لتخرج دفعة واحدة ..وأول تيمة شدتني هي المواطنة .. 
***ــــ المواطنة:الحب القدسي للوطن 
 تتنفس شاعرتنا أريج الوطن ، مهووسة بحبه حد الفناء ،فهو مِحضَن حلمها ، واستقرارها ،ونبع إلهامها ،فخورة بعظمة أمجاده ، تعتز بمحطات تاريخه المجيدة ،شغوفة بتطلعات فرسانه إلى بناء آفاقه ،تراه منبتَ الأحرار ،وتَحسه موطن الشهداء .. 
أنت مجد شامخ 
وعهد متوارث وولاء 
ياموطن الكرام والشهداء 
يامنبت الأحرار والعظماء 
ص55.
فالمغرب شامخ المعارج ، العرين الذي يذود عنه أشباله ،وسحقا لكيد الكائدين المملوءة نفوسهم بالإفك والضغينة والأحقاد، فمامكائهم غير عش عنكبوت ، تتهاوى بأول لمسة من عزم الضراغم المغاربة الأحرار ، وهذه قمة التعلق بأمشاج وطننا الحبيب..والفخر بأبطاله الغيورين عليه ،الذين لن يسامحوا في حبة رمل من أرضه  ..
فشاعرتنا ليست  ضد  التنوع والتعدد والاختلاف ،وليس ضد الأمر التنافسي المبني على الأسس المتينة بنية البناء ، بل هي ضد النهب والفساد ،والتخريب ،وكل الحقول التي تمس شمووخ وطننا الغالي  ،مع  تحقيق المساواة بين البشر، حيث ينال الشخص فيه موقعه الاجتماعي ووظيفته عن طريق كفاءته وقدراته ونزاهته بالتساوي ،وليس بالزبونية والمحاباة والحب الغريزي الأناني المتفرد بالمصالح الشخصية . ولا يكتمل مفهوم المواطنة على الصعيد الواقعي إلا بنشوء دولة الإنسان. تلك الدولة المدنية التي تمارس الحياد الايجابي تجاه قناعات ومعتقدات وأيدلوجيات مواطنيها، فتترك لذي حق حقه يمارسها دون مس الآخر . بمعنى أن لا تمارس الإقصاء والتهميش والتمييز تجاه مواطن بسبب معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. 
 ***ــــ الــجانب الاجتماع يتجرع كؤوس المُر  
فإلى جانب قيمة  المواطنة المغروسة في عمق شاعرتنا حتى النخاع ، فهي مهووسة بحب الإنسان  بجميع شرائحه ، فتراها  تهمس في مناحي الحياة الاجتماعية، لتطرق بنزف شديد  أبواب الجائعين والمشردين ،الذين تكالبت عليهم طواحين الظروف القاسية ،فجرعتهم كؤوس الإقصاء والقهر ، فهي تتكبد حزنا على الأطفال الذين رماهم القدر دون ذنب في  مهاوي الضياع وزوايا التشرد،  يمدغون  إكسير الحياة في غابة من المتهات لايُعرَف لها مخرج ،تتلوى حولهم  طرق التيه فلايهتدون  إلى أين تفضي،فتوجه نداءها بأعلى صوت إلى المسؤولين ،أن ينتشلوا هذه البراعم من الضياع ،لأنها هي رمز المستقبل  ..تقول: 
ارعوا بالتآزر والسخاء والبر 
طفولة بإهمالها لن تتحضرا 
ص:71 
وتقتحم مشتل الطفولة ترجو رعايتها لتثمر وتعطي أكلها ،لأن الطفولة هي الامتداد ،هي الأمل المنتظر، نحقق فيها ماضاع لدينا ،ونكمل فيها ذواتنا بإعطائها مشعل الاستمرارية، للمضي في طريق العلا حتى لمس الآفاق ..وتنحدر الذات الشاعرة مع شلال المرأة ،سيدة المجتمع والشق الثاني الباني لصرح الوطن بنصيحة وعظية، لإغلاق أبواب العشق على عواهنه دون قواعد تحدد أهدافه ،حتى لاتكون مدغة سائغة في فم مستهتر قد يجني عليها ،ويُضيّع مستقبلها ،وتضيف ألا تقبل هداياه بحجة الحب، فتلك مجرد خدعة من المساحيق تغلف حقيقة في نفس يعقوب ، لينال منها وطره ثم يرميها رمية الفضلات..
اقرئيه أن العشق مقدس 
لاتدنسه الأكاذيب 
وعلميه أن العشق 
ليس كومة من هدايا 
ص:76
همسة صاعقة أطلقتها شاعرتنا  كنصيحة للمرأة ،وفي ذات الوقت رصاصة ملغومة إلى من يتحلون بمثل هذه الأخلاق من الرجال دون ضمير صاح..المستهترون الذين يغررون بالمرأة خاصة الفتيات القاصرات ،ويسلبون منهن كرامتهن وشرفهن ،ثم يرمونهن عقائب سجائر بين نفايات المزابل  ..
***ــــ تيمة الموت  وقسوة الفاجعة .
فالشاعرة ترى أمامها مدينة من الضباب ،التي تغبي جوهر الأشياء برماد العتمة، وتنثر البؤس في كل الأركان ،حتى أصبح أبناؤها يركبون خطر المغامرات بأرواحهم، من أجل البحث عن العيش الرغد وإصلاح أوضاعهم المزرية  التي قتلت جميل الأحلام، وشتت المبتغى ، وأغلقت فسحة الآمال.. 
حين يلتحف النور 
الضباب 
تغلق الآمال فسحتها 
تودع أحلامها 
ص:18
 هي نظرة تأملية للشحوب الذي يزرع اليأس في الأركان، فيكون الداعي الأقوى إلى الهجرة للتغيير وتحسين الأوضاع ،حيث المصير في غلالة الضياع  ،فالشاعرة مهووسة بتناثر الأرواح من خلال الهجرة السرية عبر المراكب، ومواجهة مخاطر الموج والغرق وما تخلفه من ضحايا، ولا تنتحب الشاعرة  الغرقى في البحار فحسب ،بل تتأزم نفسيتها حتى إن اختتطف الموت أشخاصا من محيطها ،فتقف واصفة بعينها المجهرية تشييع الجنازة ، والمقبرة ، وقراءة القرآن على الموتى، فهي تترصد الواقع بآلامه وأحزانه ، وتنعَى الأشخاص الذين رحلوا ،حيث أحبابهم ورفقاهم يصلوْن نار الفقد وحرقة الفراق ..بل وتدخل غمار الرثاء كما جاء به الفطاحلة القدامى ، للتعبير عن الحزن الشّديد تترجمُه التّموّجات العاطفيّة الحادّة ،التي كانت تسبب الضيق في النفس ،حيث  الكلمات تجري في مجرى عاطفي ،للتخفيف من الفاجعة حزناً على الفقيد..
 بما أفتديك يانبض فؤادي 
أبموج العبرات المتلاطم
على صفحة خدي 
أم بتحرق وداع لايجدي 
ص:196
فهي لاتختلف عن النابغة  الذّبياني في رثائه النّعمان الغساني
 أهاج قَذَاءَ عيني الاذّکارُ
هدوءًا فَالدّمُوعُ لها انحِدارُ
هدوءًا فَالدّمُوعُ لها انحِدارُ
كأنّ الليل ليس له نهار
تعبير صريح حين تسوَد الدنيا أثناء فقيد عزيز ،حيث لايكفي الدمع لإطفاء نار الجرح ،ولايكفي النواح أو الصراخ ،ولايبقى الأمر قيد البكاء فحسب ،بل ويتعدى ذلك  إلى التعبيرعن اللوعة الكاوية ، بتعداد مناقب الفقيد  والإشاده بمآثره والتوجع عليه، وترَدُّد صولة الموت وسلطان الفناء في الرثاء..
هوى كوكب فهل للكواكب خبر
كريم غاب خلقه مسك وعنبر 
ص:200
***ـــ تيمة الحزن ومايأسر النفس من جراح 
نجد في بعض نصوص الشاعرة ما یغذي حدوسها البکّاءة وما یزید شکواها التهاباً، حیث تنقل تجربتها إلی الأذهان نقلاً حیّاً نازفا، حيث تخيم على الذات الشاعرة سماوات من الحزن تحجب دفء القمر ، وتخفي ظلال الشموس ،تشكو جراحها الغائرة التي لاتندمل ، وخدوش روحها التي لم تجد لها بلسما  جراء انتظار أمل مغلق  في غور المجهول ، أوشروخ  خلفتها  كلاب الوقت المسعورة المتشحة بحب الاستغلال،  فردمت كل ماهو جميل، وأفسحت المجال لنشر الرذائل في كل الأركان ، أم من فساد وبؤس وتجويع فأصبحت الأوضاع هشة، لاتسمع فيها إلا صرخات القهر، ولاترى غير دموع  البؤساء ، سلبتهم الطبقات المستغِلة الجشعة حقوقهم عبر صفقات تتزاحم بالثروات ،كل عناصر الشؤم هذه ،خلخلت الذات الشاعرة ، فأصبحت الدنيا مسودة في عينيها غارت في لجَجها المنطفئة كل مايَسُر النفس .. 
بم أفتديك أبارتجاج أنفاسي
المستعمرات في بركان نفسي
أم بغصة حلم لم تتناسيه 
ص:196

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.