الأمن المائي بين العقلنة والترشيد أية تدابير؟

الأمن المائي بين العقلنة والترشيد أية تدابير؟

بوشعيب جوال.. طالب باحث بسلك الدكتوراه

يشكل الماء ثروة حقيقية يسعى اليها كل انسان على وجه البسيطة ، فهو ضرورة ملحة لايمكن لاي كائن ان يستغني عنها او ان يعيش بدونها ، فهو مصدر الحياة  لقوله تعالى “وجعلنا من الماء كل شيء حي” فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالحفاظ عليه ونهانا عن الاسراف فيه وأرشدنا الى تدبيره وفق ضوابط شرعية ملموسة تحقق الغاية المرجوة منه دون افراط ولا تفريط .

فالماء مكون من بين المكونات الاساسية التي دعت الشريعة الاسلامية للحفاظ عليها ، فهو الغداء الاساسي والمحرك الضروري لاستمرارية الحياة، لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف لسعد وهو يتوضأ “ماهذا السرف ياسعد” ؟ قال نعم وان كنت على نهر جار ” انتهى قوله صلى الله عليه وسلم.

 كما دعت كل القوانين والتشريعات الدولية الى الحفاظ عليه وترشيده وأقرت مجموعة من النصوص القانونية ومن بينها المغرب الذي نص في القانون رقم 95.10 في ديباجته “يعتبر الماء موردا طبيعيا اساسيا للحياة ومادة ضرورية يرتكز عليها الجزء الاكبر من الانشطة الاقتصادية للإنسان كما انه مورد يتميز توفره بعدم الانتظام في الزمان والمكان وهو اخيرا شديد التاثر بالانعكاسات السلبية للأنشطة البشرية .

ويحق لنا ان نتساءل عن مدى ملائمة التشريعات المغربية للأمن المائي ؟ ثم ماهي التدابير الاساسية والملائمة لعقلنته وتدبيره ؟

ان الماء من الضروريات الاساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض اللجوء الى تهيئة الماء لتلبية حاجيات السكان التي تعرف تزايدا مستمرا خلال السنوات الاخيرة ، وتنص المادة 12 من القانون رقم 95.10 في فقرتها الثالثة على انه يمنع رمي اشياء داخل مسيل مجاري المياه من شأنها ان تعيق هذا المسيل او تسبب له تراكمات .

وتشير المادة 24 من نفس القانون على انه يمنع افراغ مياه ،أو نفايات صلبة في الوديان الجافة والمغاسيل العمومية والأتقاب والقنوات ودهاليز التقاط المياه ،أو القيام بأي تفريش او طمر للمصاريف المائية او وضع نفايات من شأنها تلويث المياه الجوفية عن طريق التسرب او تلويث المياه السطحية عن طريق السيلان او تنظيف الغسيل او اشياء اخرى او الاستحمام والاغتسال في المنشآت المائية او وضع مواد سامة في مجاري الماء .

فالمشرع يسعى من خلال هذه المواد الى الحفاظ على الماء لأنه مكون اساسي يفرض على الانسان ان يتعامل معه بشكل ايجابي ومعقلن للتخفيف من آثار النقص الحاصل خلال السنوات الاخيرة التي تعرف نوعا من التراجع الفعلي للماء على مستوى السدود او الفرشات المائية نظرا لقلة التساقطات التي يعرفها المغرب كغيره من الدول ، وارتفاع نسبة التصحر والجفاف وغيرها من العوامل هذه الاسباب هي التي جعلت المشرع المغربي والعديد من الفاعلين في المجال البييء الدعوة الى ترشيد المياه وعقلنتها من خلال وضع مجموعة من التدابير الاساسية التي تتجلى في خمسة محاور اساسية:

المحور الاول : التواصل والتحسيس اللذان يرومان تحسين مستوى التنسيق بين جميع المتدخلين في انجاز هذا البرنامج ، وكذا تحسين وتوعية مستعملي الماء وعموم المواطنين بضرورة الاقتصاد في استخدامه ، والرفع من مستوى نتاجه وتثمينه مع الحرص على  اشراك هيئة المجتمع المدني بهدف ترسيخ الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد المائية لدى الجميع خاصة الاجيال الصاعدة عبر قنوات التواصل المباشرة وغير المباشرة وحملات التوعيىة والأنشطة المدرسية الموازية.

المحور الثاني : السقي بالتنقيط والذي يشمل حوالي مساحة 510 الف هكتار لفائدة 160 ألف من الفلاحين ورصد له غلاف مالي اجمالي يبلغ 14.7 مليار درهم يستهدف ايضا تحويل واستبدال نظم السقي التقليدية بالري الموضعي وذلك انطلاقا من النتائج المشجعة والتي مكنت من رفع  المساحات المجهزة بالري بالتنقيط على الصعيد الوطني الى حوالي 585 الف هكتار مع تسجيل آثار جد ايجابية همت أكثر من 10 ألاف فلاح .

المحور الثالث : تحلية مياه البحر من خلال انجاز محطات لتحلية مياه البحر عند الاقتضاء لتنضاف الى المحطات الموجودة بكل من العيون وبوجدور وطانطان ومركز احفير ، محطتين اخريين توجدان قيد الانجاز باكادير والحسيمة فيما تمت برمجة ثلاث محطات اخرى بكل من الدار البيضاء وأسفي والداخلة .

المحور الرابع : انجاز حوالي 20 سدا بسعة 5.38 مليار متر مكعب بكلفة اجمالية تبلغ 21.91 مليار درهم مما سيمكن المغرب من بلوغ سعة تخزين اجمالية تقارب 27.3 مليار متر مكعب بعد انهاء الاشغال بهذه السدود وسيعزز هذا الرصيد ايضا بحوالي 130 سدا صغيرا بالإضافة الى 20 سدا قيد الانجاز وقد تم جرد حوالي 909 موقعا مؤهلا لانجاز سدود صغيرة عبر مجموع التراب الوطني .

المحور الخامس : اعتماد برنامج وطني مندمج لتطهير السائل بالعالم القروي والحضري وإعادة استعمال المياه العادة لفائدة 128 مدينة في افق سنة 2027  فكل هذه المؤشرات يهدف من خلالها المغرب الى عقلنة الماء نظرا لقيمته الحقيقية والهادفة التي تشتمل كل مجالات الحياة المادية والمعنوية اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا وأخلاقيا وروحيا .

فالماء مصدر الحياة، والإنسان مدعو دينيا وأخلاقيا الى المحافظة عليه، واستمراريته مرهونة بترشيده وتدبيره ، ولهذا نجد كل دول العالم تسعى بكل مكوناتها البشرية الى وضع ضوابط ومرتكزات هدفها تدبير وترشيد الماء والمغرب من بين الدول المدعوة الى ذلك لأنه عرف خلال هذه السنوات الاخيرة قلة التساقطات وضعف المياه الجوفية، وهذا يرجع في غالب الامر الى ارتفاع نسبة التصحر بسبب التلوث البيئ عن الاستعمال المفرط للصناعات الثقيلة والتي تخلف وراءها اضرارا كبيرة على المستوى البيئ بالإضافة الى انعدام الوعي لدى الانسان بأهمية الماء وأثره على حياة الانسان المستقبلية التي ستصبح لامحالة مهددة بقلة التساقطات وضعف المياه الجوفية وهذا مانعاني منه اليوم  .

فالماء إذن عصب الحياة وأساس بقاء الكائنات والمخلوقات على وجه الارض .

وعلى بني الانسان ألا يخل بالتوازن الكمي للماء فيسرف في استخدامه؟ ألا يعلم الانسان أنه محاسب يوم القيامة على نعم الله قال تعالى “ثم  لتسألن يومئذ عن النعيم ” صدق الله العظيم.  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.