إكراهات على اللغة العربية في ضوء التعدد والصراع اللغويين بالمغرب

إكراهات على اللغة العربية في ضوء التعدد والصراع اللغويين	بالمغرب

طالب باحث: محمد الغازي

لا شك أن للغة وظائف مختلفة ومتعددة، ومن بين هذه الوظائف وظيفة التواصل والتبليغ، حيث إن كل حدث لغوي نرمي من خلاله إيصال معلومة للطرف الآخر، على اعتبار أن اللغة هي أصوات ومعاني، ويمكن أن يتفرع عن هذه الوظيفة وظائف متعددة فتصبح بذلك ليست مجرد وسيلة للتعبير عن التصورات والأحداث والمواقف والأفكار وعظيم الجدَل الفكري والعقلي والمنطقي فحسب، وإنما منتوج حضاري يستطيع الإنسان من خلاله التجاوب مع الفكر والعالم والفن، الشيء الذي يجعل منها قيمة علمية كرس كثير من علماء ـ عرب وغير عرب ـ جهودهم العلمية لها في الدراسة والبحث.

فتجاوزت بذلك وظيفتها التفاعلية التواصلية إلى وظيفة يمكننا تسميتها بالوظيفة النفعية البراغماتية تتحقق في مختلف الميادين والقطاعات المهنية، ومن المهم الاهتمام باللغة المستعملة داخل هذه القطاعات لا سيما وأن التطور والازدهار الحضاريين راجع بالأساس إلى الجوانب الاقتصادية والإدارية والإعلامية وغيرها.

       وما كان للبنيويين ولا التوليديين القدرة على معالجة اللغة المستخدمة داخل هذه الميادين، فدراستهما للغة تبقى منغلقة وداخلية في حين أنه من الضروري إبراز العلاقة القائمة بين كل من اللغة والمجتمع، وحيث كان الوضع اللغوي في وطننا يتسم بالتعدد فقد كان من البديهي أن ينعكس على اللغة المستعملة داخل هذه الميادين والقطاعات المهنية على اختلافها، وبهذا يتوجب على الدولة والمتخصصين اللغويين سواء علماء اللغة أو علماء اللسانيات الاجتماعية تدارس هذه الوضعية لتحقيق التقدم والازدهار المنشود، فإذا كانت السياسة اللغوية قد حددت الخيارات الكبرى فيما يخص علاقة اللغة أو اللغات السائدة بالمجتمع فأقرت التعدد اللغوي، فإن من مهام التخطيط اللغوي تدبير هذا التعدد مراعيا التوازنات اللغوية، وذلك بإعطاء اللغة العربية المكانة التي ينبغي أن تحظى بها باعتبارها اللغة الرسمية الضامنة للتوازن والوحدة، وإيصال المعرفة بشتى أنواعها والاهتمام باللغات الوطنية باعتبارها الروافد المؤسسة للثقافة المغربية، والانفتاح على العالم الخارجي عبر التحكم في اللغات الأجنبية.

       من المعلوم كذلك أن اللغة ظاهرة اجتماعية، فهي مقوم أساسي الغرض منه التواصل والتفاعل وتبادل الخبرات والتجارب في مختلف مناحي الحياة، و يرى هادسون ” أن اللغة في استخداماتها البدائية تقوم بدور حلقة في سلسلة الأنشطة الإنسانية المتآلفة باعتبارها جزءا من السلوك الإنساني، فهي وسيلة من وسائل الفعل وليست أداة للتأمل”، حيث إن وظيفة اللغة في المجالات التقنية والعلمية هي التحكم في الأنشطة داخل الأوراش الصناعية وكذلك في المبادلات التجارية وفي الأغراض التواصلية والتبليغية داخل المنابر الإعلامية، أي أن للغة دور أساسي في التواصل والتفاعل بين مختلف مكونات المجال المستعملة فيه، ولا تقتصر اللغة على ذلك فقط بل تتجاوزه إلى التحكم في الجهد البشري المبذول، فباللغة نحيا ونتقدم وننظم نشاطاتنا ونضمن الاستمرار لحياتنا”.

وانطلاقا من هذا المبدأ العام الذي يحكم اللغة الطبيعية نطرح المفارقة المتناقضة على الشكل التالي: إذا كانت اللغة أهم عنصر في تحقيق الإقلاع والمساهمة في الدفع بعجلة التطور من خلال حملها للمعارف والخبرات داخل مجالات علمية وتقنية واقتصادية …..إلخ، قد ضمنت النمو والتنمية للبلدان الغربية ، فإن الآمر ليس كذلك بالنسب للغة للعربية مما يستوجب طرح الأسئلة الثالية: ما هي الأسباب والعوامل التي تحول دون استخدام اللغة العربية في المجالات التقنية؟.

وإذا كان للغة دور أساسي في تحقيق الإقلاع على جميع المستويات، فبأي لغة نستطيع تحقيق ذلك؟ وهل العربية بالذات عائق من عوائق الإقلاع والتنمية والحداثة كما يشاع عنها؟

تتلخص مجموعة من العوامل منها ما له علاقة باللغة نفسها ومنها ما له علاقة بأشياء خارجة عن اللغة، كانعدام سياسة لغوية واضحة المعالم والأغراض لكي تجعل من اللغة العربية لغة تقنية بامتياز تساير متطلبات العصر في جميع المجالات، حيث إن التصور المهيمن والموجه للسياسة اللغوية يتخذ المرجعية الغربية سندا حضاريا لإقصاء اللغة العربية وتهميشها وكذلك بإبعادها عن ما يمكن أن تطلع به داخل المجال العلمي والتقني والمعلوماتي والإعلامي والإداري، على اعتبار أنها تخصصات تستخدم اللغة.

ومن أهم الأسباب الأساسية التي ساهمت بشكل كبير جدا في عدم دخول اللغة العربية للمجالات الحيوية سوءا الصناعية والإعلامية والتقنية، واستخدامها كلغة قطاعية تطلع بما يطلع به غيرها من اللغات، يعود إلى أحد الأسباب الأساسية كون الوضعية اللغوية المضطربة بالمغرب تشهد صراع لغوي حاد بين اللغة العربية الفصحى والعربية المغربية من جهة، وبين اللغة العربية والفرنكوفونية من جهة ثانية .

   ففي ما يخص الصراع بين اللغة العربية والدارجة يتمثل في رفع مجموعة من الأصوات شعارات والتوصيات تهتف بترسيم الدارجة في المنظومة التعليمية، على اعتبار أن الدارجة أسهل في عملية التلقين وتضمن الجودة في التحصيل، ظنا منهم أن معضلة التعليم ومكمن دائه يتجلى في عوامل من أبرزها التدريس بما يسمونه العربية الكلاسيكية، ونتيجة هذا الزعم مقررات “البغرير” الأخيرة، وهذا العامل يحمل في ثناياه العديد من المعاني والدلالات القدحية التي تنعت بها اللغة العربية، بحيث إن السبب وراء التخلف التنموي والاقتصادي والاجتماعي والتقني يتجلى في استعمال هذا النسق المعقد (العربية ) في التعليم، مما يجعل منها لغة غير منتجة تضمن التأخر والرجوع إلى الوراء وبالتالي عدم المساهمة في القطاعات الحيوية للدولة، منطلقين من تدهور حالة المنظومة التعليمية وانتشار الهدر المدرسي، كل هذه العوامل ترجع حسب دعاة هذا الطرح إلى عدم اعتماد الدارجة في التعليم الأولي”. وعليه فاللغة العربية حسب هذا الزعم هي لغة كلاسيكية أي لغة ميتة ولغة المهزومين، والدليل على ذلك أنها حتى في القطاعات والتخصصات التقليدية غير المنفتحة على العالم تتبنى مجموعة من المصطلحات والألفاظ تشتغل بها مثل الفرنسية أو الاسبانية، بدل اعتمادها على مصطلحات عربية كتداول بعض المصطلحات في الحرف التقليدية .

     أما بخصوص العامل الثاني المتمثل في الصراع بين العربية والفرنسية فيتجلى في انتشار واستفحال مجموعة من الأوصاف والأفكار المتخَلِفة والمتَخَلية عن اللغة العربية التي ربما هي نتيجة اقتناعهم وإيمانهم بقوة اللغة العربية في تحقيق القوة والازدهار في مختلف المجالات، ولهذا يريدون الإجهاز عليها وجعلها لغة منحطة، وذلك من خلال وصفها بأنها لغة الإرهابيين والسلفيين وتنظيم القاعدة والمجموعات الإسلامية الإرهابية.

انطلاقامن هذا الزعم الخطير يتبادر إلى الذهن بمجرد سماع هذا الوصف سؤال في غاية الأهمية، هو كيف يمكن للغة العربية أن تقتحم المجال العلمي والتقني والاقتصادي والتجاري والصناعي وغيرها من المجالات، وهي محاصرة من كل الجوانب الداخلية منها والخارجية؟ .

   ولا يقتصر الصراع عند هذا الحد بل يحتد في المجالات الحيوية بالمغرب حيث تجد اللغة العربية فيها المزاحمة والتهميش والغبن والتبخيس، بينما يحتفى فيها باللغة الفرنسية رغم تراجع مكانتها في العالم.

     ومن أهم الأسباب التي تقف سدا منيعا أمام دخول اللغة العربية المجال التقني، هو ما يمكن نعته بترسيخ الوهم المتمثل في أن اللغة الفرنسية هي لغة الخطوة وضمان النجاح في المجالات العلمية والعملية، وذلك لتشجيع اعتماد اللغة الفرنسية والتطبع معها، ونفهم من هذا القول كذلك إن الداء وراء تقوقع العربية في المجال التقني هو الفرنكوفونية الاستعمارية وذلك من خلال تبخيس اللغة العربية في جميع مستوياتها وسرقة المجالات الحيوية وفضاءات استعمالها اليومية، التي تسمح لها بالحياة والنمو والاغتناء والتطور.

وعليه، فإن الاكراهات التي وقفت أمام اقتحام اللغة العربية للمجالات التقنية والعلمية كالصراع اللغوي، كان عامل جدّ مؤثرا في استعمال اللغة العربية كلغة قطاعية تقنية في مختلف المجالات الحيوية. وذلك نتيجة بالسياسة اللغوية المنتهجة.

انطلاقا مما سبق يمكننا القول إن الحديث عن إكراهات اعتماد اللغة الرسمية (اللغة العربية) في المجالات الرسمية ليس الهدف منه وصف الوضعية اللغوية بالمغرب، بل مناقشة وظيفة اللغة العربية في ضوء هذه الوضعية. والملاحظ أن تحريك وإثارة مثل هذه الاشكالات في مختلف اللقاءات والمؤتمرات والندوات الوطنية والدولية يتسم بالتعصب لمواقف وتصورات تعكس في عمقها إيديولوجيات ومرجعيات مختلفة، بدل الدراسة والتنظير العلمي الرصين والمبني على رؤية استراتيجية هادفة تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من النقط الأساسية ” أولها احترام الخصوصية اللغوية للبلد، وكذلك مناقشة الوظيفة التي يمكن أن تطلع بها اللغات المتعايشة فيه” وصدق القدماء حينما قالوا” لا تفاضل بين اللغات” يوحي لنا هذا القول إن المشكلة ليس في اللغة في حد ذاتها وإنما يكمن في القوم الذي يستعملها فاللغة تحيا وتتطور من خلال أهلها والمقصود هنا البحث والتمكين للغة المستعملة، واضمحلال اللغة وتأخرها يعود إلى تبخيسها وتشجيع غيرها كما هو في الوطن العربي عموما، وفي المغرب على وجه الخصوص.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.