أضواء على السعادة كغاية.. للمدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي (الجزء الأول)

أضواء على السعادة كغاية.. للمدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي (الجزء الأول)
بقلم: أحمد المعطاوي

تعتبر السياسة المسألة الحيوية لدى كافة الشعوب، ففي الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات الفوضى وعدم الاستقرار في غياب نظام سياسي عادل ينظم حياة الأفراد وعلاقاتهم، يكون لابد من البحث عن الأفكار الجديدة من أجل استقرارها.

وهنا يكمن عمل الفلسفة السياسية، إذ عادة ما تزهر، هذه الأخيرة، عندما ينتاب الدولة أمراض، فيأتي الفلاسفة ويحمِّلون أنفسهم مهمة الأطباء من حيث التشخيص ووصف العلاج.

وهذا السبيل هو الذي سلكه أبو نصر الفارابي في تصوره للسياسة وبخاصة فيما يتعلق بالمدينة الفاضلة.

في زمنه، زمن العهد العباسي، إنبرى الفارابي ليقدم ما تصور من حلول وإصلاحات في معالجة مشكلات عصره السياسية ويسطر مفهوم السعادة كغاية لمدينته الفاضلة.

ومنه، يمكن أن نتساءل كالتالي:

كيف نظَّر الفارابي للمدينة الفاضلة التي غايتها تحقيق السعادة لمواطنيها وحاكمها، منطلقا من آراء الحكيمين أفلاطون وأرسطو؟

وما هي الشروط التي اقترحها لحاكم المدينة الفاضلة؟ ثم كيف فصَّل فيها حين تتحول إلى مدينة مضادة؟

تلقى أبو نصر الفارابي(870-950م) الملقب بالمعلم الثاني علوم الأوائل وعلوم اليونان، وأرسى في الفلسفة الإسلامية تقليدا في العودة إلى  المصدرين الأوليين للتحري الفلسفي وهما: أفلاطون وأرسطو.

أولا؛ مفهوم المدينة الفاضلة عند أفلاطون :

اخترق حياة أفلاطون حدثان كبيران أثَّرا فيه أيَّما تأثير، تمثل الحدث الأول، في هزيمة أثينا مدينته في حرب البولوبنيز في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وتمثل الثاني، في إعدام أستاذه سقراط، فكرَّس بقية حياته لإقامة تصور سياسي ليوجِّه به حياة الأثينيين.

لقد أخذت فكرة المدينة حظا وافرا من تنظيرات أفلاطون، ولقد وظف الفلسفة لتأكيد أطروحاته حولها وحول بناءها، حيث نجد أن التنظيم المثالي للمدينة الفاضلة وتصوره للعدالة التي تحكم مواطينيها محاور تتكرر في كتاباته.

يقوم الإنسان بتوفير ما يحتاج إليه من غداء ومسكن وكساء، وهو لا يستطيع سد حاجياته وحده، فيرى أفلاطون أن الإجتماع الطبيعي ضروري، وهو ظاهرة طبيعية في حياة الناس ويكون الفرد في حاجة إلى الآخرين. ومنه، يتكون المجتمع أو المدينة أو الدولة.

فالمدينة تنشأ من التجمع البشري الذي يكون أساسها التعاون القائم بين الأفراد في توفير حاجاتهم من أجل البقاء والاستقرار.

ولقد حصر أفلاطون الحكومات التي تعمل على تسيير أمر المدينة/الدولة في أربع أنواع وهي:

  • التيموقراطية: تعتبر حكومة الشجاعة والمجد، وهي حكومة لمدينة ظالمة لأنها تقوم على الثروة ويستحيل وجود الفيلسوف فيها، حيث يعتبرها أفلاطون بين الأستقراطية والأوليجاركية.
  • الأوليجاركية: تعد حكومة المال أو القلة تؤدي إلى انقسام المدينة إلى مدينتين: الأغنياء والفقراء، وهذا ما جعل أفلاطون يحتقرها.

ج- الديموقراطية: تعتبر مدينة الفوضى يحكمها الشعب، حيث يثور الفقراء على الأغنياء، وهذا ما جعل أفلاطون يكره الديمقراطية.

د- الطغيان: وتسمى بمدينة الحيوان البشري، حيث يكون الحكم بالعنف والقوة.

ولأن هذه المدن لا تحكم إلا بالظلم والاستبداد وينخر جسدها العنف وتعمها الفوضى، ذهب أفلاطون إلى تأسيس مفهوم العدالة كشرط من شروط استقرار المدينة/الدولة لتكون مدينة فاضلة يهنأ من يسكنها في تآخي وتكافل.

وإذ يعرِّف أفلاطون العدالة فيقول في كتابه الجمهورية:” إن أعظم أسباب كمال الدولة هي تلك الفضيلة التي تجعل كل من الأطفال والنساء والعبيد والأحرار والصناع والحاكمين والمحكومين يؤدي عمله، دون أن يتدخل في عمل غيره”، أي أن لكل فرد في المدينة وظيفته وممتلكاته الخاصة، ولا يمكنه التدخل في عمل وممتلكات الآخر.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يرى أفلاطون كما أن للنفس الإنسانية ثلاث قوى رئيسية تشكلها، هي: القوة الشهوانية فضيلتها العفة، القوة الغضبية وفضيلتها الشجاعة، والقوة العاقلة والتي فضيلتها الحكمة. فإن للدولة ثلاث طبقات تشكلها، وهي: طبقة العمال/الطبقة النحاسية، تضم عامة الشعب تسهر على تأمين الحياة النباتية والحيوانية للدولة. وطبقة المحاربين/ الطبقة الفضية، تسهر على الدفاع عن الدولة. ثم طبقة الحكام الفلاسفة يوكل لها أمر الحكم بالعقل والحكمة.

ومنه، نرى أن أفلاطون شبَّه المدينة بالنفس من حيث الوظائف، ولقد ربط تحقيق العدالة الفعلية بسيطرة الحكام الفلاسفة على إدارة الحكم.

ونراه قد فرق بين نوعين من العدالة: عدالة المساواة أو العدالة الحسابية. وعدالة اللامساواة أو العدالة الهندسية. وفضَّل عدالة اللامساواة لأنها تقوم على التمييز بين الطبقات وتمتاز بالمحافظة على استقرار المدينة الفاضلة.

وبالاضافة إلى التأكيد على مفهوم العدالة الذي يميز مدينته الفاضلة، نراه يؤكد على حاكم هذه المدينة، إذ يرى أن العالم لن يعرف الاستقرار ما لم يصبح الفلاسفة حكاما أو يتحول الحكام الى فلاسفة، يقول أفلاطون:

” لا يمكن زوال بؤس الدولة وشقاء النوع الإنساني ما لم يملك الفلاسفة أو يتفلسف الملوك والحكام فلسفة صحيحة تامة” .

ويهدف من خلال ذلك على تأكيد أهمية المعرفة والعلم في تدبير شؤون الحكم، ومنه يدحض فكرة قيام الدولة على الثروة أو القوة الغاشمة، بل الحكم الأصلح هو الذي يرتكز على العقل والحكمة.

ثانيا؛ مفهوم المدينة الفاضلة عند أرسطو :

يعد أرسطو تلميذ أفلاطون، من أشهر الفلاسفة الذين اهتموا بالسياسة في اليونان، وألف كتابه الموسوم “السياسات” في هذا المجال، حيث يرى أن علم السياسة هو العلم الذي يحقق الخير الأقصى للإنسان وهو علم دولة المدينة polis. والمعنى السياسي أن الوجود البشري لا يمكن أن يوجد إلا في المدينة، ورغبة البشر في حياة فاضلة…. وحيث يكون الفرد جزء من المدينة، فإن علم الأخلاق جزء من علم السياسة، وهذا يعني لنا أن علم الأخلاق يهدف إلى خير الفرد، أما علم السياسة يهدف إلى خير الدولة.

ويتبين لنا، أن الخير متبادل بالنسبة للفرد وبالنسبة للدولة، كما يكون الخير الأعظم والأكمل هو تحقيق خير الدولة.

يربط أرسطو في مدينته الفاضلة الأخلاق والسياسة برباط وثيق، ويجعل قيامتها على هدف أخلاقي، فالمدينة/الدولة التي يسعى إليها لتحقيق سعادة الأفراد هي عبارة عن جماعة تقوم على التفاعل وروح التعاون بين المواطنين مع بعضهم البعض لتحقيق ما يسميه دولة الخير والصالح العام. يقول في كتابه “السياسات” :

” كل دولة تتألف من جماعة، وكل جماعة تقوم لتحقيق خير ما”، والمواطن هو ذلك الذي يتمتع بالحقوق والواجبات والمشاركة في وظائف مدينته.

ولأن الإنسان بحسب أرسطو حيوان سياسي، والإنسان كائن اجتماعي فإن الدولة من عمل الطبع، وهي نهاية التجمعات البشرية التي تمر من بمراحل وهي:  الأسرة ، القبيلة، القرية، المدينة.

ولهذه المدينة دستور ينظم العلاقات المختلفة بين الوظائف، ويقوم الدستور، بحسب أرسطو، على الطبقة الوسطى تكون بين الأغنياء والفقراء تعمل من أجل مصلحة جميع المحكومين، تكون مخلصة للقوانين وتؤمِّن استقرار الدولة. فالمدينة بنظره هي الدستور فهو الذي يخلق الدولة.

وإذ يؤسس أرسطو لمدينته الفاضلة يحدد المدن في ستة أنواع ثلاثة منها فاضلة وهي:

  1. الاستقراطية: حكومة الأقلية العاقلة.
  2. الرشاد : حكومة الفرد الفاضل العادل .
  3. اليسار : الحكومة التي يتولى زمامها الأغنياء والأعيان.

وفي مقابلها ثلاثة مضاداتها وهي:

  1. الطغيان: يتولاها حاكم مستبد.
  2. الجماعية: التي يتولى الشعب انتخاب حكامها .
  3. الغوغاء : حكومة العامة والرعاع .

ويعتبر أرسطو أول من نادى بما يعرف بفصل السلط لكي لا تتركز القوة السياسية في يد حاكم واحد.

يتبع…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *