1234567891011121314151617

جدلية الإسلام والإسلاميين عبر التاريخ

بلا قيود



بقلم المهدي بوشدوق

شهد التاريخ الديني تطورا ملموسا وبنيويا على مستوى الاتجاهات الفكرية السياسية والدينية، خاصة التي تفجرت بعد وفاة الرسول الكريم، ابتداء من حادثة سقيفة بني ساعده التي كانت بمثابة البذور الأولية للنزوع السياسي الممزوج بالقبيلة والمبرر بالعصبية والمؤدلج بالقرابة والصحبة، فتوالدت بعدها نسائم الفرق الدينية السياسة من معتزلة، شيعة، قدرية، خوارج، سلفية، سنة، صوفية، مرجئة، ومذاهب فقهية فلسفية وروحانية ... فرق نتجت عنها اتجاهات فرعية أصبحت مع الزمن توجهات إيديولوجية رئيسة، كل ذلك خلف تنوعا واختلافا في خريطة المادة الدينية المنشورة والمبثوثة في الكتب والموسوعات المنقولة من الفقه الواقعي السياسي.

لاشك أن هذا التنوع يثري العقل من حيث دائرة التفكير في التعامل مع النصوص المؤطرة للفكر الإسلامي، لكن يبقى السؤال المطروح في عمق العقل التفكيكي والتحليلي عن من يمثل الحقيقة المطلقة لتلك النصوص التاريخية في الحركة الواقعية، أو بتعبير أدق من يمثل الله في الأرض بعد ظهور الطوائف والفرق والمذاهب ؟ وكيف تحاول هذه الفرق بما تملك من وسائل لوجيستيكية في شيطنة معارضيها ؟

ثنائية الإسلام والإسلاميين تاريخيا يقصد بها آليات تطور الإسلام من نسق واحد - ممثل في شخصية واحدة للرسول الكريم، تمتلك القدرة على التفسير والتحليل، وفق المعايير المحددة سلفا في النص الديني المؤطر، شخصية تقوم بشرعنة وتنزيل النص في أرض الواقع والإشراف الكلي لتجلياتها ، وبإسعاف من صاحب الرسالة الدينية، - إلى أنسقة متعددة، أي إسلامويات متنوعة في الطرح والمضمون، إسلامويات نشأت طبيعيا بعد وفاة الشخصية الواحدة التي تمتلك التفسير الواحد، نشأت بعد فراغ حصل في متابعة تكون العقل الديني مع المرجعية الأحادية، نشأت بعد انفجار النموذج الواحد في القيادة الدينية والدنيوية، إسلامويات بقيادات وأنظمة في التفكير وأتباع في التحصيل والتطبيق، فماذا وقع من بعد؟ دأبت كل طائفة إسلاموية لاحتكار مفهوم الدين لنفسها، ورفعها إلى درجة المقدس في الممارسة والتطبيق، واعتقدت اعتقادا جازما أن كل مخالفيها من التيارات الإسلاموية موضوعة في مربع الكفر ، فجاءت المخالفة السياسية ملبسة بثوب العقيدة المُكَفِّرة، حتى يمكن من تدنيس التأويل المخالف، وإخراج منتسبيه من دائرة الشرعية الواقعية، من أدل تحصيل القيادة السياسية والاقتصادية.

ظهرت تجليات الصراع ما بعد فترة النبوة، في فترات الخلافة والأمويين والعباسيين والمماليك والعثمانيين إلى وقتنا المعاصر، ساهموا في خلق إسلامويات تاريخية منذ نهاية نص الرسالة السماوية، فنجد فرقا تاريخية تحاول احتكار تمثلات الإسلام بطريقتها وأجندتها، تكفر مثيلتها بأي طريقة كانت، وتبحث لها عن الغطاء السياسي للسلطة النافذة لتطبيق أدلجة الدولة أو القبيلة وفق نظرتها، بل توج هذا الغطاء إلى خوض حروب مقدسة وارتكاب عقوبات القتل والإعدام لكل من خالف إسلامها أو إسلام سلطانها ونظامها،    أو إسلام دولتها وقبيلتها، فليس بغريب إذا وجدنا في الواقع التاريخي للتوجهات الدينية من تكفير مطلق وبالتفصيل على رقاب المخالفين، فالخوارج مثلا تكفر الشيعة، والشيعة تكفر السنة، السنة تكفر القدرية، والإباضية تكفر المرجئة، والصوفية تبرئ من الفرق الدينية السياسية، والسلفية جعلتها في النار خالدين فيها، والسنة أخرجت السلفية من دائرة صحيح الإسلام، بل نلمح مشاهد تراجيدية من سنة تكفر سنة وسلفية ضد سلفية، في نفس الفرقة الدينية صراع أبدي، أما المشهد المعاصر فحدث ولا حرج من فوضى الفتاوى وتضخم في التوجهات الدينية إلى درجة الثمالة، الوهابية حملت لواء القتل، والإخوانية أسست لواء الحاكمية والجاهلية، وبالتالي كل طبقات المجتمع في المرحلة الجاهلية ينطبق عليها مفاهيم الاستتابة ثم الحد والقصاص، ثم بروز تنظيمات دينية في دول تعيش الحرب الاقتصادية والسياسية تشتري السلاح الأمريكي والإسرائيلي والروسي بمقابل البترول في الصراع المقدس، قتل مقدس متبادل في خدمة الأجندة، أما الفلاسفة والمفكرين فقد أخذوا الحظ الوافر من التكفير الطويل والمفصل، نظرا لأن المفكرين والفلاسفة سلطوا سهام النقد على تلك الفرق الدينية، أما جماعات الإسلام السياسي التي دشنت لصعود الدين السياسي، فقد بدأت تاريخها باتهام المخالف السياسي في البرامج والمشاريع بتهم شتى كخدمة الأجندة السرية ونظرية المؤامرة وتلبية أوامر الدولة العميقة وحرب الله والإسلام ، حتى تصل إلى الكرسي السياسي لبسط النفوذ الترابي وتقديم الولاء للتنظيم الأم، هذا إذا اعتبرنا وجود تنظيم مركزي واحد، المهم جوهر فلسفة التفكير عند الإسلاميين هو اعتبار الآخر في خانة العدو الكافر، وضد الله مادام ليس معنا ولا يحمل شعاراتنا وبرامجنا، ولا يبجل شيوخنا.

يتضح من ثنائية الإسلام والإسلاميين، أن الإسلام أصبح خزان معاني الحربية والدموية انطلاقا من توظيفات الإسلاميين للنصوص التاريخية، فكل اتجاه إسلاموي يبحث عن متنفس انفجاري في حركتيه انطلاقا من مسمى نوع الإسلام المتبنى، ومن مسمى الكتب المرجعية التي تتناول الاتجاه الإيديولوجي، وأضحت التوظيفات الدينية متشابهة عند البعض ومتنافرة عند البعض الآخر، فعلى سبيل المثال بالمغرب وليس حصرا نجد أن إسلام جماعة العدل والإحسان لايتفق بالمطلق مع إسلاموية حركة التوحيد والإصلاح وحزبه السياسي العدالة والتنمية، بل يضع كفة العدالة والتنمية في بوثقة الانحراف والعهر الفكري، وفي نفس الوقت إسلام العدالة والتنمية يجعل من إسلام العدل والإحسان في خانة الجمود الفكري والانحراف الثقافي، أما السلفييون من أتباع الاتجاه الأفغاني أو السعودي أو القاعدي، فيجعلون من جماعة العدل والاحسان في خانة الانحراف العقدي، أما العدالة والتنمية فهي في خانة الخيانة السياسية المعتمدة على الثراء المالي، وبالتالي اتهامات بالكفر المعنوي والنزوع عن الحق والطريق المستقيم، فيحصل التلافظ الكلامي بين شيوخ كل توجه ديني مع دفع واستنفار شبيبة كل توجه للدخول في المشادات التكفيرية المعنوية والاتهامات ضد المخالف، خاصة في قنوات التواصل الاجتماعي، أما إسلام جماعات الصوفية والزوايا فقد اتخذت من السلطة السياسية حليفا لها ونأت عن الصراعات مع التوجهات الدينية الأخرى على الأقل بالمباشر.

إنها لوحة تراجيدية لإسلام ضد إسلام بالمعنى الفلسفي الإيديولوجي، إسلام نصي في مواجهة الإسلام التاريخي الحامل بالتيارات الدينية السياسية، لوحة تدفع العقول المستنيرة للتساؤل الوجودي عن من يمثل الله في أرضه بعد الحرب الدينية بين الإسلاميين ؟وهل يستحق الله تعالى أن يُنسب إليه كل هذا الإرهاب المعنوي والمادي من قتل ودماء ؟وكيف تخيل الإسلاميون بتناقضاتهم وصراعاتهم الأبدية أن الله راض عنهم ؟

باحث في تاريخ الفلسفة والمذاهب بجامعة محمد الخامس بالرباط.
 
e-max.it: your social media marketing partner

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


كود امني
تحديث

إفتتاحية

الصورة من وجدة ليوم الثلاثاء 21/08/2018، تصوير : سعيد بوغالبإبراهيم عقبة لاشك أن أغلبية المواطنين اكتووا بتصرفات غير مسؤولة من قبل عدد من المؤسسات...

أخبار دولية

2018-08-21-19-02-53
هامبورغ: قررت السلطات الألمانية حظر دخول المغربي منير المتصدق ثانية إلى أراضيها حتى بلوغه سن التسعين بعد إدانته بالمشاركة في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر 2001...
2018-08-17-17-35-30
الجزائر (رويترز) - قالت الرئاسة الجزائرية إن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عزل يوم الجمعة اثنين من كبار قادة الجيش وذلك بعد شهرين من إقالة المدير العام للأمن...
2018-08-14-13-47-41
الرباط – أكد وزير خارجية البارغواي لويس البيرتو كاستيغليوني اليوم الثلاثاء بالعاصمة أسونسيون أن بلاده تدعم الوحدة الترابية للمغرب مشددا على أن الأمر يتعلق...

تعليم

2018-08-03-13-46-04
بلاقيودبعد بلاغ وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بخصوص الحركة التي نظمتها لفائدة المديرات والمديرين الاقليميين ،أصدرت...
2018-07-27-16-33-20
أرشيفبلاقيود أعلنت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي- قطاع التربية الوطنية، في بلاغ صحفي لها ، أنها أجرت حركة داخلية...
10-25
تعلن وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي- قطاع التربية الوطنية، أنها أجرت حركة داخلية واسعة في صفوف السيدات والسادة...

مال وأعمال

2-1
أشخاص يشترون الخضار في سوق شعبي بالقرب من مدينة الدار البيضاء في المغرب يوم 16 مايو أيار 2018. تصوير: - رويترزالرباط (رويترز) - قالت المندوبية السامية...
15
الأناضول : أعلن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أن بلاده ستقوم باستثمار مباشر في تركيا بقيمة 15 مليار دولار.وقالت الرئاسة التركية في بيان، إن...
2018-08-15-09-40-21
الأناضول : نشرت الجريدة الرسمية التركية، في عددها الصادر، الأربعاء، قرارا رئاسيا ينص على مضاعفة الرسوم الجمركية الإضافية، المفروضة على بعض المنتجات...

أخبار الرياضة

2018-08-19-14-39-28
أسفي / أحمد قيودأعلن أنور دبيرى تلمساني رئيس المكتب السابق المنتهية ولايته عن ترشيحه لرئاسة المكتب المقبل إبان الإنتخابات المزمع إجراؤها خلال الجمع العام...
2018-08-17-22-25-06
الدار البيضاء – فاز فريق الوداد البيضاوي بميدانه على ماميلودي صن داونز الجنوب افريقي بهدف للاشيء، في المباراة التي جمعت بينهما مساء اليوم الجمعة على أرضية...
2018-08-16-15-04-25
وجدة : سعيد بوغالب نظرا للأشغال التي يعرفها الملعب الشرفي بوجدة، اضطرسندباد الشرق إلى البحث عن بديل للعب الموسم المقبل 2018/2019.المولودية كانت تتطلع إلى...

إستوديو بلاقيود

حوارات بلاقيود

2018-07-23-19-18-39
أجرى الحوار : سفيان المعروفي"واسو معتصم " خريج محترف الفنون الدرامية بالرباط  ، من مواليد الخميسات سنة 1992 رئيس جمعية" خميسآرت " لمسرح الشارع وفنون...
2018-07-17-19-10-13
أجرى الحوار : سفيان المعروفيولد هشام بجيت في مدينة الخميسات، نشأ وترعرع فيها، بدأ حياته الفنية في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان الفعل الثقافي في...

إستطلاع الرأي

هل تعتقد أن هناك مضاربات غير شريفة وجشع وراء ارتفاع سعر المحروقات بالمغرب ؟

نعم - 100%
لا - 0%
لا أدري - 0%

مجموع الأصوات: 2
The voting for this poll has ended on: 10 أبريل 2018 - 18:00

البحث

تابعونا على الفايسبوك



صحافة

وزير الثقافة والاتصال .. الوزارة حريصة على تفعيل مقتضيات قانون الصحافة والنشر

16 غشت 2018
 وزير  الثقافة والاتصال .. الوزارة حريصة على تفعيل مقتضيات قانون الصحافة والنشر

الرباط – أكد وزير الثقافة والاتصال، السيد محمد الأعرج اليوم الخميس بالرباط أن الوزارة حريصة على تفعيل مقتضيات قانون الصحافة والنشر لضمان حق المواطن في إعلام متعدد وحر، وصادق ومسؤول...

طب وصحة

وزارة الصحة 25000 حالة لسعات العقار سنويا، و تدعو المواطنين لاتخاد التدابير الوقائية لتجنب لسعات العقارب ولدغات الأفاعي

17 غشت 2018
وزارة الصحة   25000 حالة لسعات العقار سنويا، و تدعو المواطنين لاتخاد التدابير الوقائية لتجنب لسعات العقارب ولدغات الأفاعي

الرباط – دعت وزارة الصحة المواطنين إلى اتخاد مجموعة من التدابير الوقائية لتجنب لسعات العقارب ولدغات الأفاعي والثعابين خصوصا في فصل الصيف الذي يعرف ارتفاعا في عدد حالات الإصابة في...

قضايا وحوادث

توقيف شبكة مختصة في تزوير تاشيرات الحج وتذاكر سفر عبر الطائرات .. على رأسهم عقلين مدبرين من الواليدية

19 غشت 2018
توقيف شبكة مختصة في تزوير تاشيرات الحج وتذاكر سفر عبر الطائرات .. على رأسهم عقلين مدبرين من الواليدية

الرباط – تمكنت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناء على معلومات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، نهاية الأسبوع الجاري، من توقيف سبعة مشتبه فيهم ينشطون في إطار شبكة...

فن وسينما

مهرجان افران الدولي يستقطب الالاف من المتفرجين

17 يوليوز 2018
مهرجان افران الدولي  يستقطب الالاف من المتفرجين

محمد الخولانيعاشت مدينة افران على مدى ستة أيام على ايقاعات مهرجانها الدولي الثالث، تحت شعار "إفران مرآة الأطلس" في الفترة الممتدة مابين 6 و 11 يوليوز 2018 ، من تنظيم...